ذلك ، ولا شكّ أنّ طريقة محاورة الشارع في تفهيم مقاصده للمخاطبين لم يكن طريقا مخترعا مغايرا لطريقة محاورات أهل اللّسان في تفهيم مقاصدهم ، وإنّما جرى في ذلك على الوجه المتعارف عند أهل اللسان في استفادة المعاني من الألفاظ ، ومن البيّن أنّ تلك الاصول امور معتبرة عند أهل اللسان في محاوراتهم المقصود بها التفهيم.
ومنها : إثبات أنّ الداعي إلى صدور تلك الخطابات إنّما هو بيان حكم الله تعالى لا أن يكون الباعث على ذلك أمرا آخر من تقية وغيرها ، سيّما مع ملاحظة توفّر أسباب التقية في دولة الباطل وشدّة الخوف المستمرّ في أزمنة خلفاء الجور وأئمة الضّلال.
وجوابه : أنّه يكفي في دفع هذا الاحتمال اتّفاق العلماء ، بل إطباق العقلاء على حمل كلام المتكلّم على كونه صادرا لبيان مطلوبه الواقعي لا لإظهار خلاف مقصوده ، ولذا لا يسمع دعواه ممّن يدّعيه إذا لم يكن كلامه محفوفا بأمارته (١).
ومنها : إثبات أنّ المقصود من الخطاب إفهام السامع بمجرّده واستفادة المطلب منه مستقلّا.
وجوابه ما ذكر ، فلو أراد المتكلّم غير ذلك وجب التنبيه عليه.
ومنها : إثبات أنّ المقصود تفهيم الغائبين عن مجلس الخطاب والمعدومين في زمان التخاطب ، فإنّ المقصود إثبات حجيّة الكتاب والأخبار في أمثال هذه الأعصار ومن البيّن أنّ تلك الخطابات إنّما توجّهت إلى المخاطبين والمشافهين ، اشتملت على الأمر والنهي أو لم تشتمل ، وثلم يدلّ هناك دليل على إرادة إفهام
__________________
(١) انظر : فرائد الاصول ١ / ٢٣٨ ـ ٢٣٧.
