وكيف يدّعى حصول القطع من رواية الواحد والاثنين والثلاثة مع انفتاح أبواب الخطأ والسهو والنسيان ونحوها على فرض إحراز العدالة الواقعيّة؟ ولو جرت أخبار الآحاد مجرى القياس والاستحسان في الشريعة لشاركتها في لزوم الأعراض عنها ، ولمّا وقع الاهتمام الشديد من الأصحاب في حفظها ونقلها وضبطها ، بل لزمهم الاهتمام ببيان الأخبار القطعيّة وذكر الوجه في قطعيّتها وتفصيل القول في القرائن المنضمّة إليها حتّى يسوغ العمل عليها ، لاختصاصها بالحجيّة دون غيرها ، فكيف ملئوا كتبهم واصولهم الموضوعة لعمل المكلّفين من أخبار الآحاد بمجرّد ثبوت الوثاقة لهم وسكون النّفس بنقلهم؟ وما ذلك إلّا لأجل العمل.
ألا ترى أنّ قوما من الثقات قد أعرضوا عن روايات من لا يوثق به من الروات حتّى تركوا نقلها وإيرادها ، كما نقل أنّ أحمد بن محمّد لم يرو عن ابن محبوب على جلالة قدره من أجل أنّ أصحابنا يتّهمونه في روايته عن أبي حمزة ، وأبعد البرقي وغيره عن قم لروايته عن الضّعفاء (١).
وذكر النجاشي أنّه رأى أحمد بن محمّد بن عيّاش وسمع منه شيئا كثيرا ، قال : «ورأيت شيوخنا يضعّفونه فلم أرو عنه وتجنّبته» (٢).
وعن أيّوب بن نوح أنّه قال : «لا أروي لكم عن محمّد بن سنان شيئا ، فإنّه قال قبل موته : كلّما حدّثتكم به لم يكن لي سماع ولا رواية ، وإنّما وجدته» (٣).
__________________
(١) خلاصة الاقوال / ٦٣ الرقم ٧ ـ الرجال (ابن غضائرى) ٣٩ الرقم ١٠ ـ وانظر : الفرائد ١ / ٣٥٣.
(٢) رجال النجاشي / ٨٦ ـ ٨٥ الرقم ٢٠٧.
(٣) اختيار معرفة الرجال ٢ / ٧٩٥ الرقم ٩٧٦.
