بأنّ الأحكام الشرعيّة على تكثّرها وتشعّب مسائلها وعدم انتهاء فروعها وتجدّد الحاجة إلى جزئياتها واشتراك عامّة أهل الأمصار والأعصار المتباعدة حتّى النساء والضعفاء والمرضى وأهل البوادي والقرى في الحاجة إليها لا تكاد تبلغ عامّة المكلّفين بطريق التواتر والاحتفاف بقرائن اليقين.
فلا يستريب ذو مسكة في استمرار الطريقة على الاكتفاء في وصولها وإيصالها بتوسّط الثقات والمعتمدين من المفتين والروات في جميع الشرائع ، وخصوصا في هذه الشريعة السهلة المبنيّة على غاية اليسر والسهولة المنفيّة عنها أقسام الحرج والمشقّة ، مع أنّ الشواهد النقليّة في ذلك أكثر من أن يحصى ، كيف ولو بنى الأمر على هذا التضييق وابطال هذا الركن الوثيق لتكثّرت به الأخبار ، واشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار ، ونادى به رؤساء الدين في خطبهم ومواعظهم ، وذلك لاستمرار طريقة العقلاء على الاعتماد على أخبار الثقات ، واعتقاد دوران استحقاق الثواب والعقاب وصدق الإطاعة والعصيان مدارها.
فالالتزام بتحصيل حقّ اليقين في كلّ جزئي من جزئيات الدين بالنسبة إلى كلّ واحد من آحاد المكلّفين خروج عن السيرة المعروفة ، ومنافاة للطريقة المألوفة ، ووقوع في غاية الحرج والمشقّة ونهاية العسر والشدّة ، فلا يسوغ لصاحب الشريعة المبلّغ لعامّة التكاليف الشرعيّة المتصدّي لبيان جزئيات الأحكام الخفيّة المتعلّقة بالوقائع النادرة إهمال الأمر في ذلك مع عموم البلوى به وشدّة الحاجة إليه ، فضلا عن تقريرهم على ما علم من طريقتهم ، وابقائهم على ما عهد من سيرتهم ، مع أنّه لم يصل إلينا في ذلك نصّ ولا خبر ، ولا يوجد منه عين ولا أثر ؛ بل الأخبار المتواترة شاهدة على خلاف ذلك ، وطريقة المسلمين جارية على ضدّ ذلك ، ولذا لم يقع السؤال في شيء من الأخبار عن جواز ذلك ، مع غاية
