والجواب عن الوجهين أيضا من وجهين ؛
أحدهما : أنّ الظنّ المانع من مطلق الظنّ من جنس الظنون الخاصّة ، لحصوله من الكتاب والسنّة وعمل الطائفة ، فإذا تعلّق بلزوم قصر العمل على الظنون المخصوصة والمنع من التعدّي عنها إلى الظنون المطلقة لزم العمل عليه ، ولم يلزم من ذلك شيء من المحذورين.
والآخر : أنّ الممتنع حينئذ شمول الحجّية للظنّ الممنوع ، لأنّه الّذي يلزم من حجّيته عدمها ، وما يلزم من وجوده عدمه باطل ، فيختصّ الحجيّة بالظنون المخصوصة الّتي لا يترتّب عليها المحذور المذكور ، وذلك أنّ الحجّة إذن هو الظنّ بالبراءة ، ولا ظنّ بالبراءة من الظنّ المدفوع بنفسه.
لكنّ الوجه المذكور خارج عن مقصود المصنّف ـ طاب ثراه ـ لأنّه عدّ الظنّ المانع دليلا معتبرا على تحريم العمل بالممنوع.
ومحصّل الوجه المذكور خروج المانع والممنوع جميعا عن الحجّية نظرا إلى لزوم المحذور المذكور لاشتماله على التناقض ، ولزوم التفكيك بين المتساويين ، والترجيح من غير مرجّح من الاقتصار على أحدهما ، ومقصود المصنّف ـ طاب ثراه ـ لا يبتني على ذلك ، فالصواب بنائه على الوجه الأوّل.
وأمّا الوجه الثاني ، فهو المقصود من قولنا : «لو كان الظنّ المطلق حجّة لاقتضى عدم كونه حجّة» ونظيره قولهم : «لو كانت الشهرة حجّة لدلّت على أنّها ليست بحجّة ، ولو كان ظاهر الكتاب حجّة لدلّ على عدم كونه حجّة ، ولو كان خبر الواحد حجّة لدلّ على أنّه ليس بحجّة» إذ ليس المقصود من تلك العبارات الاستدلال بها على نفي حجّيتها ، فإنّه غير معقول ، بل المقصود التنبيه على امتناع هذا الحكم الكلّي ، وبطلان التفرقة بين أفراده المتساوية وترجيح بعضها على
