منها : ما أفاده الوالد المحقّق ـ طاب ثراه ـ هنا ، حيث استدلّ قدسسره على ذلك بما تقرّر في العقول من وجوب التحرّز عن الضرر المخوف.
وقد يناقش فيه : بأنّ العقل إنّما يستقلّ بإدراك ذلك حيث يظنّ بالضّرر ، ومن المعلوم أنّ الظنّ بالضرر إنّما يحصل من ترك العمل بالظنون المتعلّقة بالتكاليف الشرعيّة ، إذ مع العمل بها إنّما يحتمل الضرر احتمالا موهوما ، ولا يستقلّ العقل بالاحتراز عنه ، بل ربما يستقبح في العقول التحرّز عن الاحتمالات الوهميّة ، كالفرار عن قرب الجدران المحكمة لاحتمال سقوطها ، أو عن الأطعمة والأشربة لاحتمال ترتّب الضرر عليها ، فهذا الدليل بالدلالة على ضدّ المقصود أولى (١).
والجواب : إنّ الخوف الحاصل من ترك العمل بالمظنون إنّما يتمّ حيث لا يكون هناك طريق عقليّ أو شرعيّ يعوّل عليه في ذلك المقام ، أمّا مع وجود الاصول العمليّة وساير الطرق الشرعيّة الموجبة للأمن من ضرر المخالفة فلا يتصوّر هناك خوف يوجب الاحتياط فيه ، كما سيجىء بيانه إن شاء الله تعالى عند احتجاج الخصم بذلك على وجوب العمل بالمظنة.
أمّا مع قطع النظر عن ذلك فلا يجوّز العقل إقدام المكلّف على أمر لا يؤمن من ترتّب الضرر العظيم عليه ، من غير فرق بين المظنون والمشكوك والموهوم.
أمّا أوّلا : فلأنّ الضرر المترتّب على العمل بالمظنون وإن كان موهوما إلّا أن الضرر المحتمل حيث كان بالغا حدّا لا نهاية لشدّته وطول مدّته ودوام بقائه فلا محالة يستقبح العقل إقدام المكلّف عليه واقتحامه فيه مع عدم وجود طريق
__________________
(١) انظر : بحر الفوائد ١ / ٣٧٦.
