والمورد العذب المحلّى ، إن قال لم يدع قولا لقائل ، أو طال لم يأت غيره بطائل ، أو صنّف ألّف أشتات الفنون كالدرّ المكنون ، وإذا جلس مفيدا في صدر ناديه (١) وجثيت (٢) بين يديه طلّاب فوائده وأياديه ، ملأ أصداف الأسماع من الدرّ الفاخر ، وبهر الأبصار والبصائر محاسن ومفاخر ؛ فهو علّامة البشر ومجدّد المذهب في القرن الثالث عشر ـ قدّس الله سبحانه نفسه الزكية ، وأفاض على تربته المراحم الرحمانية ، ورفع مقامه فى بحبوحة جنّته ، وجمع بينه وبين أئمته ـ وجدتها مشتملة على تحقيقات فائقة تفرّد بها عن السابقين ، وتدقيقات رائقة لم يسبقه إليها أحد من الأوّلين والآخرين ، قد عملها في إبطال القول بالظنّ المطلق ، وإثبات المذهب الحقّ كشف فيها عن مشكلات هذه المسألة نقابها ، وذلّل صعابها ، وملك رقابها ، وحلّل للعقول عقالها ، وأوضح قيلها وقالها.
ففوائدها في سماء الإفادة نجوم ، وللشكوك والشبهات رجوم ، غير أنّها قد استصعب على علماء هذا العصر حتّى اختفت عليهم دقائقها ، وانطوت عنهم حقائقها ، فجعلوها غرضا لسهام النقض والإبرام ، وليس ذلك إلّا من زلل الأفهام.
وحيث وجدت الأمر بهذه المثابة مع كون المسألة من أعظم المسائل الّتي تعمّ بها البلية ، وتشتدّ إليها الحاجة ، بل يبتنى عليها أساس استنباط الأحكام الشرعيّة ، رأيت أن اكتب عليها شرحا وافيا بإيضاح مبهماتها ، كافيا في بيان مشكلاتها ، متكفّلا بدفع الشكوك والشبهات عنها ، وتنقيح مطالبها ، وتهذيب مقاصدها ، فها أنا باسط كف السؤال إلى من لا يخيب لديه الآمال ، أن يعصمني من
__________________
(١) النادي : المكان ، المجلس ، العشيرة «مجمع البحرين ٤ / ٢٨٩».
(٢) جثا كدعا ورمى ... : جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه «قاموس المحيط ٤ / ٣١١».
