والحاصل : أنّ تلك المقدّمات لا يؤدّي إلى القول بحجيّة الظنون ليكون دليلا وحجّة كسائر الحجج الشرعيّة والأدلّة الثابتة ، فلا يفيد المطلوب ، وإنّما يثبت بها لو تمّت وجوب العمل بمقتضى الاحتمالات القويّة. ألا ترى أنّا لو فرضنا عدم لزوم الحرج في العمل بالمشكوكات لم يمكن فيه دلالة على حجيّة الشكّ ليكون من جملة الأدلّة المعتبرة ، وكذا الحال في الظنّ.
ويمكن الزيادة على الوجوه العشرة بوجهين آخرين بهما يتمّ العدد الميمون ؛
أحدهما : دعوى الإجماع على أنّ الظنّ المطلق ملحق بالقياس والاستحسان ونحوهما ممّا ثبت المنع منه في الشريعة ، كما يظهر ذلك من فحوى الأدلّة المانعة عن تلك الطرق ، واستمرار الطريقة على الأخذ بالظنون المخصوصة وترك الاعتماد على مطلق الظنّ في الشريعة ، وما يوهمه عدّة من العبارات الّتي ذكرها المحقّق القمىّ وغيره محمول على وجوه يظهر على المتأمّل فيها.
والآخر : أنّه على تقدير عدم حصول القطع من تلك الأدلّة فلا أقلّ من حصول الظنّ القويّ غاية القوّة بالمنع منه ، وهو أرجح من الظنّ المتعلّق بحكم الواقعة إن قلنا في مثله بلزوم الأخذ بأقوى الظنّين ، كما زعمه القائل بالظنّ المطلق ، مع أنّ الصواب في هذا الباب تعيّن الأخذ بالظنّ المانع لعين ما استدل به القائل بالظنّ المطلق من الوجوه الثلاثة ، لاستقلال العقل باعتبار الظنّ في هذا المقام ولزوم التحرّز عن الضرر المخوف المترتّب على العمل بالطريق المحرّم ، وقبح ترجيح المرجوح على الراجح لجريانها بعينها في المقام ، بل ينحصر مجراها في ذلك دون ما زعموه ، كما يظهر من التّأمل فيما مرّ وما يأتي.
