النعمة على أشرف العالمين بنصب الأئمّة الهادين والحجج المعصومين واحدا بعد واحد إلى يوم الدين ، فأزاح بهم العلّة في التكليف ، وسوّى في ذلك بين القويّ والضعيف ، ولئن قضت الحكمة البالغة في أزمنة الهدنة للحجة بالاحتجاب ، لكن كالشمس إذا سترها السحاب ، فلم تزل ولا تزال أنواره مشرقة على قلوب العارفين ، وعلومه وآدابه مثبتة في صدور العالمين ، فهم ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ولو لا ذلك لم يعرف الحقّ من الباطل ، ولالتبس الأمر على اللبيب العاقل ؛ فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ولعنة الله على منكريهم وشانئيهم ومخالفيهم إلى يوم الدين.
أمّا بعد ، فيقول العبد المفتاق الأخفض على الإطلاق ، الخاسر العاثر ، محمّد باقر ـ أصلح الله سبحانه أمر داريه ، وغفر له ولوالديه ، وعامله بفضله وإحسانه ، وأذاقه حلاوة عفوه وغفرانه ـ إنّي لمّا رأيت الرسالة الشريفة ، بل الجوهرة النفيسة الّتي أدرجت في كتاب «هداية المسترشدين في شرح اصول معالم الدين» الّتي صنّفها وهذّبها والدي الإمام ، عماد الإسلام ، فقيه أهل البيت عليهمالسلام مشكاة حنادس (١) الظلام ، ومربي الفضلاء الكرام ، بل استاد العلماء الأعلام ، وفخر الفقهاء العظام ، كشّاف غوامض عويصات العلوم بفهمه الثاقب ، وحلّال مشكلاتها بفكره الصائب ، محيي ما درس من سنن المرسلين ، ومحقّق حقايق السابقين ، طود العلم الشريف ، وعضد الدين الحنيف ، مالك أزمّة التصنيف والتأليف ، الّذي جمع من أنواع الفنون فانعقد عليه الإجماع ، وتفرّد بأصناف الفضائل فبهر النواظر والأسماع ، فما من فن إلّا وله فيه القدح المعلّى
__________________
(١) الحنادس : جمع حندس : الليل المظلم والظلمة «القاموس المحيط ٢ / ٢٠٩».
