وثانيا : أنّ أدلّة نفي الحرج معتضدة بما هو معلوم من طريقة الأصحاب من عدم الالتزام بالاحتياط المؤدّي إلى الحرج في أكثر الأبواب ، فحصل في المقام ما هو المرجّح في ساير المقامات ، إذ لا فرق في الاعتضاد بالعمل بين العمل الفعلي والتقديري ، حيث يثبت من تعرف الطريقة بالحدس الصائب.
وثالثا : أنّ فرض تساقط العامين من وجه لا ينافي ما هو المقصود في المقام ، إذ التساقط إمّا يقتضي الرجوع إلى التخيير أو إلى الأصل ؛ وعلى الوجهين لا يتعيّن القول بوجوب الاحتياط في المقام ، لجواز العمل بدليل نفي الحرج وأصالة البراءة عن وجوب الاحتياط.
ورابعا : أنّ وجوب الاحتياط في المقام ليس بحكم دلّ عليه اللفظ العامّ ، إنّما يقتضيه الأصل حيث لا دليل ، فلا يعقل معارضته بالدليل.
نعم ، قد يقال : إنّ أدلّة نفي الحرج معارضة بما دلّ على حرمة العمل بالظنّ من الكتاب والسنّة ، بناء على ثبوت دوران الأمر بينهما ، فيبقى أصالة الاحتياط الثابتة مع العلم الإجمالي سليمة عن المانع.
وفيه ـ مع ما عرفت ـ أنّ المنع عن العمل بالظنّ راجع إلى حكم الاحتياط وعدم الاكتفاء في الخروج عن عهدة التكاليف المعلومة بمجرّد الظنّ ، أو إلى المنع من قصد التشريع به والالتزام بمؤدّاه من حيث هو كذلك شرعا ، فليس ذلك من المحرّمات الذاتيّة ، وقد عرفت أنّ قاعدة الاحتياط ساقطة بأدلّة نفي الحرج ، ولا يفيد المنع من الظنّ أمرا زائدا على ذلك بعد عدم قصد التشريع به.
ورابعها : أنّ غاية ما يفيده عموم نفي الحرج حصول الظنّ بعدم وجوب الاحتياط ، وهو رجوع إلى الظنّ في طريق إثبات حجيّة الظنّ ، فيدور.
وفيه : أنّه مع قوّته من الظنون المخصوصة المسلّمة عند الفريقين ،
