من العلم أو الظنّ المطلق أو المخصوص ، أو الاصول العمليّة وإن لم تكن ناظرة إليها بالكليّة أو غيرها ، ومن المعلوم أنّها لا يستلزم الإيصال ، حتّى أنّ العلم الّذي هو من الطرق الضروريّة كثيرا ما يتخلّف عن الواقع ولا يصادفه ، إذ المراد به في المقام مجرّد القطع بالشيء لا خصوص المطابق منه للواقع.
والاخرى : أنّ الأحكام الّتي لا توصل إليها تلك الطّرق وإن كانت امورا حقيقيّة ثابتة في حدّ ذاتها بحسب الواقع ونفس الأمر إلّا أنّها حينئذ شأنيّة محضة لا تنجّز لها في حقّ المكلّف ، ولا يراد منه العمل عليها ، ولا يعاقب على تركها ومخالفتها ، وما هذا شأنه فليس على المكلّف تحصيله ، بل يكون ساقطا عنه على نحو سقوط الواجبات المشروطة بانتفاء شرطها ، لا يعرف العقل فرقا بين المقامين أصلا ، وإنّما يظهر الفرق بينهما في امور آخر.
وإذا تمهّدت المقدّمتان المذكورتان ترتّب عليهما أنّ الواجب على المكلّف في حكم العقل أوّلا وبالذات إنّما هو تحصيل العلم بالطرق المرضيّة والعمل عليها ، لإناطة الإطاعة والعصيان بها ، ودوران الثواب والعقاب مدارها ، فإذا تعذّر العلم بها قام الظنّ بها مقامها ، فالقول ببقاء التكليف الفعلي بالأحكام الواقعيّة على ما هي عليه ممنوع جدّا ، بل فاسد قطعا.
ويشهد بذلك ملاحظة الحال في موضوعات الأحكام الشرعيّة مع وضوح توقّف امتثالها عليها ، فإنّا نقطع بأنّ لها طرق عقليّة أو شرعيّة أو عاديّة ، وكثيرا ما يخالف مقتضاها للواقع ، بل موارد المخالفة فيها أغلب من مواقع الإصابة ، بل كثير منها لا توصل إلى الواقع إلّا نادرا ، فلعلّ الموصل إليه من الآلاف واحد منها كأصالة الطهارة والإباحة فيما يوجد في أيدى الناس وهكذا ؛ ومن البيّن أنّ العقل لا يحكم بوجوب تحصيل الواقع من تلك الموضوعات أصلا ولا بإناطة الثواب
