بالمكلّفين فعلا إذا استجمعوا شرائط التكليف ... إلى آخر كلامه ، فهي أحكام ثابتة على وجه الإطلاق ، غير مختصّة في نفسها بحال العلم ، ولا منتفية على الحقيقة في حال الجهل ، وإلّا لزم عدم وجوب تحصيل العلم بها ، لوضوح عدم وجوب مقدّمة الواجب المشروط ، ولزم تقييد العلم بها في جعلها مع كونه مسبوقا بوجود المعلوم.
ودعوى لزوم اللغو والعبث في تعميم الحكم للجاهل المعذور بحسب الجعل الأوّل ، بل لزوم التكليف بالمحال حيث يتعذّر عليه الامتثال ، بل التكليف المحال نظرا إلى مناقضة الأعذار للإلزام والإيجاب ، وقيام الإجماع وغيره على أنّ العلم من شرائط التكليف والخطاب ، وأنّ الواجب والحرام ما يترتّب على مخالفته العقاب مدفوعة بما سبق في أوائل الرسالة ، وقد فصلّنا القول في ذلك في باب إبطال التصويب وإثبات التخطئة ، فظهر أنّ الأحكام الواقعيّة ثابتة بحسب الواقع والحقيقة في حقّ الموجودين في هذا العصر كغيره من الأعصار ، وإن كانوا معذورين في مخالفتها ببعض الأعذار.
الثاني : أنّ المكلّفين في أمثال هذه الأزمنة كأزمنة ظهور الحجّة ليسوا بمعذورين في مخالفة تلك الأحكام المعلومة على الإجمال ، ولم يسقط عنهم ما عدا القدر المعلوم على التفصيل في تلك الحال ، بل يتعيّن التعرّض فيها للامتثال ، ويترتّب العقاب على تعمّد الإخلال ، فليس الجهل الحاصل في المقام من الأعذار الشرعيّة أو العقليّة الّتي ينتفي بها فعليّتها وتبقى معها على مجرّد الشأنيّة ، وقد سبق التنبيه على عدّة من الوجوه الدالّة على ذلك ، نظرا إلى استغناء الأمر الأوّل عن بيانه ، واثباته بقيام الضرورة عليه ، إلّا أنّه لا بدّ من إدراج المقدّمة الثالثة في هذه المقدمّة أو تقديمها عليها لتوقّفها على تحقّقها ، إذ لو لا انسداد باب العلم
