للأصل لا بدّ من ترجيحه على المخالف خروج عن ظواهر أدلّة التخيير.
نعم ، قد يقال : إنّ القول بتساقطهما والرجوع إلى الأصل مطلقا أقرب إلى طريقة الأصحاب في الفروع ، إذ العدول عن مقتضى الأصل إلى الدليل المعارض بمثله غير معهود من أكثرهم ، لاقتصارهم في العدول على موضع الدليل السالم عن المعارض ، أو مع ضعف معارضه عن المقاومة له ، نظرا إلى عدم جواز العدول عن الأصل إلّا في محلّ اليقين ، ولا يقين مع التعادل ، سواء كان مقتضى الأصل في ذلك الحكم بالبراءة أو الاشتغال أو الاحتياط أو الاستصحاب أو العدم ، على حسب اختلاف المقامات ، إنّما يتمّ التخيير مع العلم بلزوم البناء على أحد المتعارضين وانتفاء المرجّح في البين ، وهو محلّ منع ، إلّا أن يقال : إنّ ما دلّ على وجوب الرجوع إلى الروات العمل بأخبار الثقات ، على سبيل ما دلّ على رجوع العوام إلى الفقهاء الكرام ، فكما أنّ الثاني يدلّ على التخيير عن الاختلاف من غير فرق بين الناقل والمقرّر كذا الأوّل ، ويبقى ما دلّ على التخيير شاهدا على ذلك ومؤيّدا لمقتضاه.
وقد حكى شيخنا الطبرسي قدسسره في الاحتجاج (١) الإجماع عليه في حال غيبة الإمام عليهالسلام إذا لم يكن هناك رجحان لرواة أحدهما على الآخر بالكثرة والعدالة ، قائلا : إنّ الأصحاب كلّهم مجمعون حينئذ على أنّ الحكم بها من باب التخيير ، واستدلّ عليه بعدّة من الأخبار السابقة ، ومرّ كلام ثقة الإسلام.
لكن لا يخفى أنّ الحكم بالتخيير في المقام ليس على عمومه ، لأنّه في أكثر المقامات على خلاف الطّريقة المعهودة فيختصّ ببعضها ، وحينئذ فلا مانع من
__________________
(١) الاحتجاج ٢ / ١٠٨.
