غاية ما يوجد في كلمات البعض هو التخيير في العمل والفتوى على حسبه ، وفيه أقوى شهادة على أنّهم لا يريدون من القول بالتخيير في المقام المعني الأوّل.
ونحوه ما ذكروه في الأدلّة العقليّة من أصل التخيير عند دوران الأمر فيما لا نصّ فيه بين احتمالي الوجوب والتحريم ، فإنّه عندهم من جملة الاصول العقليّة مع أنّه لا سبيل للعقل إلى إدراك التخيير بالمعنى الأوّل.
وما قد يوجّه به ذلك من تقديم الامتثال الاحتمالي على الإعراض عن التكليف المعلوم وتوقّفه على الاختيار ظاهر الفساد ، إذ الامتثال لا يصدق بمجرّد الاحتمال ، والموافقة الاحتماليّة يتحقّق بالتخيير على الوجه الثاني.
وبالجملة ، فلم يعهد من فقهائنا في أبواب الفقه إسناد الفتوى إلى مجرّد الميل والاختيار ، لا في الابتداء ولا على الاستمرار ، أمّا إثبات التوسعة في العمل نظرا إلى العجز عن تعيين أحدهما فهو ممّا لا محيص عنه ، ولذا قال عليهالسلام بعد الأمر بالإرجاء : «فهو في سعة حتّى يلقاه» وقد تكرّر في كلامهم إثبات التخيير العملي بين الحديثين المختلفين.
فما دلّ على التوقّف والإرجاء إن كان في مقام الحكم بالواقع والكشف عنه فذلك ممّا لا شبهة فيه ، وإن كان في مقام العمل فلا شكّ أنّ ذلك إنّما يتمّ حيث يمكن تأخير العمل ، وهو إنّما يكون حيث يمكن الفحص ، والظاهر أنّ القائلين بالتخيير لا ينكرون وجوب الفحص على المجتهد في تحقيق الحقّ منهما على حسب وسعه وطاقته ، إذ الاجتهاد عندهم استفراغ الوسع بقدر الطاقة ، أمّا بعد العجز عن الفحص فلا يعقل تأخير العمل ، إذ لا بدّ من بنائه على وجه معيّن.
فغاية الأمر عدم دلالة أخبار الإرجاء على طريق عمل المكلّف في ذلك ، فيبقى ما دلّ على التخيير حينئذ سالما عن المعارض ، لكن مورده ظاهر في بقاء
