وثانيا : أنّ رواية سماعة إنّما تدلّ على التوقّف عند دوران الأمر بين الوجوب والتحريم ، ومن المعلوم أنّ التوقّف في مثله إنّما يتصوّر في مقام الاجتهاد ، وأمّا في مقام العمل فلا محيص عن اختيار أحد الأمرين من الفعل أو الترك ، فيرجع إلى التخيير في ذلك ، وحيث إنّ المفروض فيها إمكان الرجوع إلى الإمام عليهالسلام لوقوع المخاطبة فيها مع من يتمكّن من ذلك ، ودلالته على الأمر باتيانه عليهالسلام وسؤاله عنه ، فلا يدلّ على حال أمثالنا ممّن يتعذّر عليه ذلك ، ولذا أجاب عليهالسلام بعد السؤال عن تعيّن العمل بالرجوع إلى بعض المرجّحات ، وسكت عن الباقي وعن حكم التعادل ، فالمقصود وجوب الفحص أوّلا ، والترجيح مع تعيّن العمل ثانيا.
وكذلك الحال في الخبرين الآخرين ، فإنّ التوقّف المأمور به فيهما مع إمكان الفحص بالرجوع إليهم عليهمالسلام كما هو المفروض خارج عمّا نحن فيه.
فإن قلت : إنّ أخبار التخيير أيضا إنّما جاءت في تلك الحال ، فكيف التوفيق؟
قلت : إنّ التوقّف في مقام الاجتهاد عند التحيّر ممّا لا محيص عنه ، وأمّا في مقام العمل فلا بدّ من البناء على وجه معيّن ، فغاية الأمر عدم دلالة الأخبار الأخيرة على طريق ذلك ، فيرجع في ذلك إلى الاصول العمليّة المقرّرة في مواردها ، سواء وافقها أحد الخبرين كما مرّ ، أو خالفها جميعا.
ويختلف الحال فيها باختلاف المقامات ، فإنّه إن كان الاختلاف في التكليف وعدمه ففي الجمع بين أدلّة أصل البراءة ورجحان الاحتياط كفاية في إثبات التخيير العملي ؛ وإن كان الاختلاف في تعيين المكلّف به بعد العلم بالتكليف فإن تعذّر الاحتياط بالجمع بينهما في العمل تعيّن التخيير أيضا ، وإلّا
