ربوعه أنظارهم ، ويتأمّلوا في معانيه ، ويتبصّروا ما فيه ، ويمتثلوا أوامره ونواهيه ، ويعتبروا بأقاصيص الامم السابقة والقرون الخالية ، ويهتدوا بحجّته القاطعة وبراهينه الساطعة ، ويزدادوا بسماعه إيمانا ويقينا ، ويرغبوا في مواعيده ، ويخافوا من وعيده ، إلى غير ذلك من فوائده الّتي لا تحصى ، وعوائده الّتي لا تستقصى ، ألا ترى أنّ كثيرا منه خطابات لعامّة الناس ، ومن المعلوم قبح مخاطبة الناس بما لا يوجب الانتقال إلى المعنى المقصود منه ، واحتمال اقتران كلّ آية منه بالبيان خلاف الوجدان ، وأيّ تبيان أوضح من تبيان من علّم البيان.
الثالث : أنّه لا شكّ في كون القرآن من أظهر المعجزات وأوضح البيّنات المستمرّة على ممرّ الأوقات ، ومن أظهر وجوه إعجازه اشتماله على الفصاحة والبلاغة الّتي لا تسعها طاقة البشر ولا تبلغها قدرة الجنّ والإنس وإن كان بعضهم لبعض ظهيرا (١) ، حتّى اعترف به فصحاء العرب ، وأقرّوا بالعجز عن الإتيان بمثلها بعد وقوع التحدّي فيه ، ولا ريب أنّ ذلك لا يتمّ إلّا بمعرفة مداليله ومعانيه ، فإنّ البلاغة لا تعرض اللّفظ إلّا بالقياس إلى ما اريد به من المعنى إذا وافق مقتضى الحال ، ولم ننقل أنّه صلىاللهعليهوآله كان يحاجّ العرب بالقرآن بشرط التفسير والبيان ، بل إنّما وقع التحدّي في صريح الآيات ومتواتر الروايات بمجرّده ، ولو توقّفت معرفة إعجازه على تفسيره وبيانه لكان في أمثال زماننا ظنيّا ، لثبوت التفسير غالبا بطريق ظنّي ، ففي المنع من الاعتماد على مداليل الآيات والحكم بجريانها مجرى الألغاز والمعميّات نقض لمعظم الغرض المقصود من إنزاله من العلم باعجازه من حيث اللّفظ والمعنى ، والانتفاع بفوائده الّتي لا يخفى.
__________________
(١) إشارة إلى الآية ٨٨ من سورة الإسراء.
