ومنها : إنّا سلّمنا حجيّة ما يوجد من خبر الواحد ، إلّا أنّ كثرة الخلاف في شرائطه ووقوع الاختلاف الشديد في تفاصيله يمنع من القطع بحجيّة القدر الّذي يمكن الاكتفاء به ، فإنّ القدر المسلّم هو الصحيح الّذي عدّلت رواته بعدلين ، وكان مشهورا بين الأصحاب ، ولم يعارضه ما يوجب الوهن فيه ، ولا ما يحتمل حجيّته ورجحانه عليه ، أو مساواته له. ومثل هذا لا يكاد يوجد إلّا في قليل من المسائل ، والاكتفاء به يستلزم الخروج من الدين ، والعمل بالاصول في غير مورده يوجب تبدّل الشريعة بشريعة اخرى غير معهودة بين الطائفة ، فلا محيص عن العمل بالظنّ كما يراه القائل بمطلق الظنّ ، نظرا إلى تساوي أفراده وموارده.
والجواب : أنّ المعروف من طريقة الأصحاب وعملهم المستمرّ من قديم الزمان إلى الآن إناطة الحجيّة بحصول الوثوق بصدق الراوي وصحّة خبره ، وإن كان فاسقا بحسب الاعتقاد أو اعمال الجوارح ، فإنّا نعلم علما وجدانيا أنّ قدماء الأصحاب كانوا يعتمدون على جماعة من الفطحيّة والواقفية والزيديّة وبعض العامّة وأضرابهم في أخذ الأخبار عنهم وقراءتها عليهم وروايتها لمن أخذ عنهم ، ويعوّلون على كتبهم ويعدّونها من الاصول (١).
ألا ترى أنّ الكتب الأربعة وساير الكتب المشهورة ، بل كثيرا من الاصول الأربعمائة مشحونة من أخبار الجماعة مع أنّ أكثرها موضوعة لأجل الاعتماد والعمل ، ولو كان الحال في أخذ الأحكام على نحو الحال في إثبات الموضوعات لكان العمل بأخبار الجماعة محظورا والتمسّك بها في الشرع محرّما ، ولو كان الأمر كذلك لوقفوا على ما يدلّ عليه وامتنعوا من الرجوع إليها ،
__________________
(١) انظر : عدة الاصول ١ / ١٥٠ ـ ١٤٩.
