المناط في ذلك دفع الضرورة الملجئة إلى العمل بالمظنّة مع ما تحقّق فيه من أصالة الحرمة ، ومن المعلوم أنّ الحكم المستند إلى الضرورة يتقدّر بقدرها ، فإذا اندفعت بالاقتصار على مظنون الاعتبار لم يجز في حكم العقل العمل بغيرها قطعا ، فكلّ مرتبة سابقة من المراتب المذكورة قدر متيقن بالنسبة إلى ما بعدها ، وإن أمكن التأمّل في بعضها ، وذلك أنّ العمل بما بعدها يستلزم في حكم العقل العمل على ما قبلها من المراتب ولا عكس ، فاللازم حينئذ في حكم العقل الاقتصار على القدر المتيقّن في دفع الضرورة ، فلا يجوز التعدّي عنه إلى غيرها.
ودعوى أنّ ما عدا مظنون الاعتبار قد يعادل في القوّة مجموع الظنّين المتعلّقين بالواقع وبدله ، فلا يكون أحدهما متيقّنا بالنسبة إلى الآخر ، فيلزم اشتراكهما في الحجّية ، نظرا إلى عدم الترجيح بينهما في نظر العقل ، ويتعدّى إذن إلى ساير الظنون ، لما ذكر من أنّ القوّة لا ترجع إلى ضابط معيّن مدفوعة بما يأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ من ثبوت الترجيح بذلك مع قطع النظر عن تقوّي أحد الظنّين بالآخر ، وبمنع لزوم التعدّي عنهما إلى ساير الظّنون ، لإمكان جعله معيارا للقوّة المقصودة ، وإن اختلف الظنّان أيضا في القوّة والضعف ؛ ولإمكان إناطة الحكم إذن بوصف الاطمينان ، فتأمّل.
الثالث : إنّ الطريق المظنون حينئذ إنّما يعتبر حيث يكون ظنّا بالواقع ، والمدّعى حجيّة الظنّ بالطريق ، سواء كان من جنس الظنّ بالواقع أو من غيره ، فلا يدلّ على المدّعى.
والجواب : أنّ المقصود من ذلك دفع القول بالظنّ المطلق ، لا إثبات حجّية مطلق الظنّ بالطريق ، على أنّ الظنّ بالطريق وإن لم يستلزم الظنّ بإدراك الواقع على ما هو عليه لكنّه يستلزم الظنّ بإدراك الواقع أو بدله المقرّر في حكم
