نعم ، يمكن تصوير المسألة في صورة دوران الأمر بين المحذورين ، فيمكن القول بالرجوع إلى الظنّ هناك إن لم نقل بالتخيير حينئذ ، لكنّه نادر في المسائل ، وينبغي إرجاع الأمر فيه أيضا إلى طريقة المصنّف قدسسره من الأخذ بأرجح الوجهين المذكورين في نظر المجتهد.
الثاني : أنّ الترجيح بالوجوه المذكورة يتوقّف على القول بكون العقل بعد ملاحظة دليل الانسداد كاشفا عن نصب الشارع للظنّ طريقا إلى الأحكام ، فيكون الحكم المذكور ثابتا على وجه الإهمال والإجمال ، إذ لا سبيل للعقل حينئذ إلى تعيين المنصوب من الظنون إلّا بعد ضمّ مقدّمة اخرى من بطلان الترجيح بلا مرجّح أو غيره.
لكنّ الوجه المذكور فاسد من وجوه ؛
منها : أنّه لا سبيل للعقل إلى القطع بنصب الشارع للطريق في شيء من الأحوال من رأس ، لما عرفت غير مرّة من أنّ جعل الحكم لا يستلزم نصب الطريق وإلّا لزم التسلسل ، وإنّما يستلزم وجود الطريق والرضا به وقبح العقاب على العمل به وجواز العقاب على التخلّف عنه ، وهو أعمّ من الطريق المجعول ، لما عرفت من أنّ الطرق المعتبرة تعمّ الشرعيّة والعقليّة والعاديّة ألا ترى أنّ الموالي في أحكامهم المجعولة لهم بالنسبة إلى عبيدهم قد لا يلتفتون إلى جعل الطريق لهم من رأس ، ولا غضاضة عليهم في ذلك ، فكذا الحال في كلّ مطاع ومطيع.
ومنها : أنّه لو فرضنا العلم بنصب الطريق فلا سبيل للعقل إلى إدراك كون ذلك الطريق ظنّا مطلقا ، لإمكان كون الحجّة إذن طريقا آخر غير الظنّ ، من غير اعتبار إفادته للظنّ أصلا ، كما وقع مثله في الموضوعات كثيرا ، فمن يعلم حينئذ
