فلا بدّ من الرجوع فيه إلى الطرق العقلية من العلم حال إمكانه ، والظنّ عند تعذّره ، أو العاديّة الّتي لا توقّف لها على جعل الجاعل.
وبهذا يضعف دعوى القطع بأنّ الشارع قد قرّر إلى مطلق الأحكام طرق مخصوصة ، فإن أسنده إلى الإجماع على حصر الحجّة في أمارات معيّنة ، والمنع من غيرها مع أنّه جار في كلّ حكم شرعي ، مع امتناع جعل الطريق إليه كذلك ، كما عرفت ، على أنّ الإجماع إنّما انعقد على القدر المشترك بين الطرق المجعولة والعقليّة والعاديّة ، فكيف يدلّ على خصوص المجعولة؟
وقد استراح المحقّق المصنّف ـ طاب ثراه ـ في تعميمه الطرق المعلومة على الإجمال للأقسام الثلاثة لاشتراكها في كونها شرعية معتبرة في الشريعة ، ولا يمنع التعميم المذكور في لزوم الانتقال في تعيينها عن العلم عند تعذّره إلى الظنّ به ، كما مرّ توضيح القول فيه.
فإن قلت : إنّ الواقع لا يتقيّد بالطرق العقلية والعاديّة ، فإذا دار الأمر بالطريق المعلوم على الإجمال بين الوجوه الثلاثة لم يكن فيه دلالة على تقييد الواقع بمؤدّى الطريق في حكم المكلّف ، كما هو المقصود من الدليل.
قلت : إنّ الواقع من حيث ثبوته في نفس الأمر وإن لم يتوقّف على مساعدة الدليل عليه إلّا أنّ تنجّزه وفعليّته موقوف على ذلك ، فليس المكلّف به بالفعل إلّا العمل بمؤدّى الطرق الشرعيّة كائنة ما كانت ، وهو الّذي يحكم العقل بلزوم التعرّض لامتثاله دون الحكم الشّأني ، فيلزم الانتقال من العلم به إلى الظنّ به ، وقد تقدّم الكلام في ذلك.
فإن قلت : إنّه أيضا لا تنجّز له إلّا مع مساعدة الدليل عليه.
قلت : نعم ، ولكنّ الطريق إلى ذلك منحصر في الطريق العقلي والعادي ، إذ
