دلالة ما ذكره من عدم انضباط الأمارات الموجبة له على المنع منه ، كيف ولم يفصّل أحد في مسألة الظنّ المطلق بين حصوله من الأمارات المنضبطة وغيرها؟
ولو قلنا بالتفصيل لأمكن القول بمثله في حقّ المقلّد أيضا ، إذ الانضباط لا يرجع إلى ضابط معيّن ، ولو اعتبر المسمّى فقد يتحقّق في بعض الأمارات الحاصلة للمقلّد ، وقد لا يتحقّق في بعض الأمارات الحاصلة للمجتهد ، بل وفي تعيين الطّريق للمقلّد أيضا.
فالوجه المذكور بنفسه لا يصلح فارقا بين المقامين ، وإنّما الوجه في ذلك ما ذكرناه من أنّ الشّارع متى حصر طريق العاميّ في التقليد في حالتي علمه بالمجتهد وجهله لم يكن له بدّ من إعمال الظنّ في ذلك الطريق متى لم يكن هناك قدر متيقّن للامتثال حكما أو موضوعا ؛ كما لو دار الأمر بين الأفضل والمفضول ، فإنّ الأوّل هو المتيقّن ؛ أو بين شخصين يعلم باجتهاد أحدهما دون الآخر.
أمّا لو دار الأمر حكما بين الأفضل والأعدل (١) ، أو بين بقائه على تقليد الأفضل الميّت وعدوله إلى المفضول الحيّ وإن كان الأقرب إلى إصابة الواقع ؛ أو موضوعا بين شخصين لا قطع له بأفضليّة أحدهما بعينه لزمه العمل بالظنّ في ذلك ، وكذا الحال في المتجرّي.
ولو دار الأمر بين الاجتهاد والتقليد وانسدّ طريق العلم بذلك لزمه العمل بالظنّ بما هو طريقه في ذلك دون الظنّ بالواقع ، لأنّه ترجيح لأحد طريقين من غير مرجّح ؛ وهكذا المقلّد متى انسدّ عليه سبيل العلم بمعرفة المجتهد لو دار أمره
__________________
(١) بين الأعلم والأتقى. نسخة بدل.
