في زماننا هذا كسائر أزمنة التكليف ، إذ تسليم وجود الطرق العقليّة ونحوها من الطرق المتعارفة المعتبرة في نفسها الّتي جرت طريقة العقلاء على الأخذ بها مع قطع النظر عن جعل الأمر لها ـ كتسليم وجود الطرق المجعولة في غير هذا الزّمان كزمان انفتاح باب العلم مثلا ـ لا يجدي في مقامنا هذا شيئا ، إذ بعد فرض عدم تصرّف الشارع في الطرق المعتبرة واقتصاره على جعل الأحكام الواقعية لا يلزم من انسداد باب العلم بالمجعولات الشرعيّة إلّا الرجوع إلى الظنّ بها.
ويظهر من المحقّق الوالد ـ تغمّده الله برحمته ـ عدم التفرقة بين الطرق المجعولة وغيرها ، ولذا عدّ العلم بالواقع من الطرق المقرّرة ؛ ويرشد إلى ذلك ما أجاب به ـ طاب ثراه ـ عن الإيراد الثالث والرابع ، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وعلى هذا فهذه المقدمّة ـ أعني وجود الطرق المعتبرة في نظر الشرع للوصول إلى الأحكام ـ عقليّة بل ، ضروريّة ، إذ لا يعقل بقاء الأحكام بدون وجود الطريق المعتبر.
وحينئذ فتقرير هذا الدليل أنّ بقاء الأحكام يستلزم وجود الطرق المعتبرة في نظر الآمر ـ مجعولة كانت أو غير مجعولة ـ فإذا تعذّر العلم بها قام الظنّ بها مقام العلم ، لإمكان حصول الشّكّ فيما هو المعتبر عند الشارع من غير الطرق المجعولة ، نظرا إلى الشكّ فيما يحكم به العقل والعقلاء والعرف والعادة على نحو الشكّ في المجعول الشرعي ، فإذا كان اعتبار بعض الظنون في نظر الآمر مظنونا دون غيره تعيّن الأخذ به ، دون الظنّ المطلق ، لعدم حصول الظنّ بالبراءة بالعمل عليه ... إلى آخر ما ذكره.
وأمّا على الأوّل ، فلا بدّ من إثبات الطرق المجعولة.
قال عمّي قدسسره : وممّا يكشف عمّا ذكرناه أنّا كما نجد على الأحكام أمارات
