الرابع : أنّ الظنون ممّا يختلف الحال فيها بحسب اختلاف السلائق والأفهام فكيف يصلح أن يجعل مطلق الظنّ مناطا لاستنباط الأحكام؟ وإلّا لزم الهرج والمرج في الشريعة وعدم انضباط الأحكام الشرعيّة نعم ما كان من الطرق الظنيّة مضبوطة بعيدة عن الاضطراب ـ كظنون الكتاب والسنّة ـ لم يكن مانع من حجيّتها والاتكال عليها.
وفيه : أنّ ذلك إن تمّ فإنّما يتمّ بالنسبة إلى الظنون الّتي لا معيار لها كالأهواء والآراء والاستحسانات العقليّة والوجوه التخريجيّة ، ولا كلام عندنا في عدم صحّة الاستناد إليها وقضاء الإجماع ، بل الضرورة بعدم الاعتماد عليها ، وأمّا ما سوى ذلك من الظنون فلا يجري فيها الوجه المذكور.
ويمكن دفعه : بأنّ ذلك خلاف ما اختاروه ، فإنّهم إنّما يقولون بقضاء العقل بحجّية الظنّ مطلقا ، وإنّما قالوا بعدم جواز الاستناد إلى الظنون المذكورة لوجود المانع عنه ، وإلّا فالمقتضي لجواز الاتّكال عليها موجود عندهم حسب ما قرّروه ، والوجه المذكور يدفعه.
نعم يمكن أن يقال : إنّه ليس الكلام في بناء الشريعة على الظنون إلّا حين انسداد سبيل العلم وحصول الضرورة الملجئة إليها ، واختلافها في الانضباط وعدمه إنّما يقضي بقوّة المنضبط وضعف غيره ، وذلك إنّما يقضي بعدم جواز
