الغرض فيها ليس إلّا إصابة الواقع ، نظير الأوامر الإرشاديّة ، فإنّ الطبيب إذا أمر المريض باستعمال العقاقير المعيّنة والأدوية المشخّصة ـ كالمعجون الفلاني ـ أو نهاه عن بعض الأطعمة ، فليس غرضه من ذلك إلّا إدراك ما في الأوّل من المصلحة ، والاحتراز عمّا في الثاني من المضرّة.
فالمصلحة والمفسدة الكامنتان في نفس الأفعال علّتان مستقلّتان للأمر والنهي في المقامين ، غير أنّ الثاني خال عن الحكومة دون الأوّل ، وما هذا شأنه فإنّه يجب تحصيل العلم بواقعه مع إمكانه وتيسّره ، وإلّا فالأقرب إليه ، هذا هو الحال في الأحكام العقلية ، كالاجتناب عن السموم وساير الأمور المهلكة والأدوية الضّارة ونحو ذلك.
والثاني : أن يكون المقصود الأصلي هو الإطاعة والانقياد والقيام بلوازم العبودية وامتحان العبيد واختبارهم بتوجيه الأوامر والنواهي ، لتمييز الأخيار بطاعتهم عن الأشرار ، ويظهر المستحقّ للثواب عن المستوجب العقاب ، وإن كانت المصالح والمفاسد أيضا ملحوظة مقصودة ، مرجّحة لجملة من الأفعال الّتي فيها مصلحة للعبد في إصلاح عقله أو نفسه أو بدنه أو أمر خارجي يرتبط به بالأمر ، ولجملة اخرى فيها مفسدة له في شيء من الأمور المذكورة بالنهي ، ولجملة اخرى فيها مصلحة في بقاء النوع ودوام نظامه وانتظام أحواله بالجعل والوضع على نحو الحكم الباعثة على تشريع جملة من الأحكام ، كتشريع العدّة حفظا للأنساب ، وغسل الجمعة ونحو ذلك ، إلّا أنّ الحكمة الأصليّة تميز مراتب العبيد وظهور أحوالهم وانكشاف درجتهم في الإطاعة والعصيان.
بل ربّما لا يكون المصلحة الواقعية والمفسدة الذاتية ملحوظة في الأمر والنهي بالكلّية ، كما في الأوامر والنواهي الاختبارية المحضة ؛ فالمصلحة هناك في
