وأنت خبير بضعف الوجه المذكور ، لظهور حكم العقل بقبح نفس الفعل المأتيّ به على الوجه المذكور ، بل بقبح الإقدام على ما لا يؤمن كونه قبيحا عند عدم وجود الطريق الشرعيّ لإباحته ـ كما في الشبهة المحصورة ـ وإن اتّفق في الواقع مصادفة المباح ، فضلا عمّا لو كان هناك طريق شرعي قاض بتحريمه.
ولا شكّ أن العلم القطعي أولى بذلك من الوجهين المذكورين ، ولو كان القبح العقلي متعلّقا بالأمر القلبي المذكور لزم عدم التفرقة بين ما قبل ارتكاب الفعل وما بعده وبين حال الاشتغال به ، لتساوي الحالات الثلاثة في سوء سريرة العبد المقتضي للجرأة بالإقدام على العصيان ، فلا يكون في الفعل الواقع بهذا العنوان قبح أصلا ، وإنّما يكون كاشفا عن القبيح من حين عزمه عليه إلى ارتداعه عنه.
والفرق بينه وبين القصد المجرّد أنّ الثاني يعلمه القاصد ، والأوّل قد يظهر على من اطّلع على الكاشف ، وهو لا يصلح فارقا في المنع والجواز ، لوضوح أنّ ذلك على التقديرين ليس ولا يعدّ ذلك من العصيان الفعلي ، بل العصيان لا يدور مدار الواقع ، فكما لا يتحقّق بمخالفة الواقع عند العلم بخلافه أو قيام الطريق الشرعي عليه كذا يتحقّق عند الإتيان بما يقطع بتحريمه أو يظنّ به أو يشكّ فيه على وجه لا يعذر المكلّف معه ، وأمّا التفرقة في استحقاق العقاب بين صورتي المصادفة والمخالفة فلا يقضي بخلاف ما ذكر ، غاية الأمر أنّ صورة المصادفة تشتمل على المفسدة الذاتية والعارضية بعنوان المعصية ، بخلاف الاخرى.
وبالجملة ، فالوجه المذكور لا يخرج عن حدّ النيّة المجرّدة الّتي لا تقارن العمل ، غاية الأمر اختلافها باختلاف المقامات ، كالنيّة المجرّدة ، أو المقارنة للاشتغال بمقدّمات الفعل ، أو بما يحتمل كونه معصية في مثل الشبهة المحصورة
