وحمل ما ذكر في المقام من قبح ترجيح المرجوح على الراجح على هذا المعنى يوجب رجوعه إلى الأوّل فلا يكون دليلا آخر ، وليس كذلك ، إذ الأصل في ذلك ما ذكره جماعة من العامّة والخاصّة ـ كالعلّامة والآمدي وغيرهما ـ في مقامات عديدة ـ كمسائل خبر الواحد والشهرة والاستصحاب وغيرها ـ من الاستناد إلى مجرّد رجحان الطرف المظنون على مقابله وقبح ترجيح الطرف الآخر عليه ، فيكون الأوّل بمنزلة الصغرى والثاني بمنزلة الكبرى ، وبهما يتمّ صورة الاحتجاج فلا ربط له بالدليل السابق.
لكن يرد عليه مع إمكان الرجوع إلى أحد الأصلين البراءة والاحتياط ما ذكرناه في المقام ، من النقض بالظنون الممنوعة ، والحلّ باعتبار الحيثية في منع العقل من ذلك ، وبرجوع الطرف المظنون من حيث الشكّ في اعتباره والموهوم من حيث الشكّ في المنع منه إلى المشكوك ، فلا يمكن الحكم بأحدهما من غير دليل.
نعم ، يتمّ تقرير الدليل المذكور على طريقة المحقّق المصنّف قدسسره في مسألة الظنّ بالطريق بترتيب مقدّمتين بديهيّتين بهما يتمّ المقصود من إثبات حجيّته ؛
إحداهما : لزوم بناء العمل والفتوى في كلّ مسألة يتّفق ابتلاء المكلّف بها على وجه معيّن ، لوضوح امتناع التوقّف والتحيّر في الأفعال الاختيارية في اختيار الفعل والترك ، وامتناع البناء على الوجه المبهم.
والثانية : تعيّن البناء على المظنون من ذلك عند تعذّر المقطوع منه ، فإنّ ما عداه حينئذ مرجوح ، فيدور الأمر بين البناء على الراجح المرضيّ للشارع في تلك الحال والمرجوح الذي يظنّ من الشارع عنه حينئذ ، بمعنى كون البناء عليه
