فإن قلت : يكفي في نفى الجعل المخصوص الرجوع إلى أصل العدم ، فإنّه أمر حادث مجهول ، وقد استقرّت طريقة العقلاء في مثله على البناء على العدم والاقتصار على المتيقّن ، وهو الوجوب الناشي من توقّف أداء الواقع عليه ، فيرجع إلى دليل مطلق الظنّ ، لوضوح أنّ تقريرها على الوجه المخصوص لا يوجب الاختصاص به ، كما أنّ تقريره في باب العبادات لا يمنع من جريانه في باب المعاملات.
قلت : لمّا كان المنع من العمل بالظنّ أصلا ثابتا بالأدلّة الأربعة لزم الاقتصار في الخروج عنه على القدر المتيقّن الحاصل بمجرّد الاحتمال ، وإن كان مدفوعا بالأصل ، فإذا احتملت الخصوصية في الرجوع إلى الكتاب والسنّة على الوجه المذكور امتنع التعويل على ساير الظنون ، لكن على هذا الجواب يتّجه الايراد على ذلك بوجهين ؛
أحدهما : أنّ ذلك رجوع إلى الاقتصار على المتيقّن المذكور في بعض الوجوه السابقة ، لما عرفت من أنّه يتصوّر على وجوه عديدة يندرج هذا الوجه في بعضها ، فلا يكون دليلا مستقلا خارجا عن ذلك.
والآخر : أنّ الاحتمال المذكور إذا حصل بعينه في بعض الطرق الخارجة عن الكتاب والسنّة ـ كالإجماع المنقول ـ لزم مشاركته لهما في الحجيّة ـ لاستواء نسبة القدر المتيقّن إليهما واتّحاد المناط فيهما.
فالوجه في الجواب أن يقال : إنّ الاقتصار على المتيقّن يتصوّر على وجهين ؛
أحدهما : أن يكون ذلك من جهة اختصاص بعض الظنون ببعض الاحتمالات المرجّحة ، وهو ما ذكر في الوجه السابق.
