المتعلّقة بالأحكام من جهة أسبابها ، إنّما يعقل التفرقة حينئذ بين أقسام الظنون من حيث القوّة والضعف ، وقد عرفت أنّ إناطة الحكم بمقدار معيّن من القوّة ممّا لا يرجع إلى ضابط معلوم.
لكنّ الفرض المذكور خارج عن محلّ الكلام ، لأنّه راجع إلى إنكار موضوع القدر المتيقّن ، إنّما الكلام فيما لو كان هنا قدر متيقّن في الحجيّة ، وإنّما يتصوّر ذلك حيث يحتمل تصرّف الشارع في باب الطرق بأحد الوجوه المتقدّمة في بيان الوجه الثالث ، ولذا قلنا : إنّه على بعض التقادير رجوع إلى الوجه الخامس.
وحينئذ فما اتّفق عليه الفريقان هو القدر المتيقّن ، دون ما اختلفا فيه ، كيف وفرض القطع بعدم تصرّف الشارع في هذا الباب مجرّد فرض لا تحقّق له؟ للقطع بعدم قيام الشاهد عليه من عقل أو نقل ، بل وعدم دلالة أمارة عليه ، بل الأمارات شاهدة على خلافه ، كما هو الحال في الموضوعات ؛ وحينئذ فلا يجوز في حكم العقل التجاوز عن القدر المتيقّن بعد انتفاء الضرورة به ، فإنّها يتقدّر بقدرها.
الثالث : أنّ تيقّن البعض بالنسبة إلى الباقي لا يعدّ مرجّحا ، لكونه معلوم الحجيّة تفصيلا ، وغيره مشكوك الحجّية منفي بالأصل.
لكنّه لا يجدي شيئا ، لقلّته وعدم كفايته ، لأنّ القدر المتيقّن من الأمارات الّتي في أيدينا إنّما هو الخبر الّذي زكّى جميع رواته بعدلين ، ولم يعمل في تصحيح رجاله وتميز مشتركاته بظنّ أضعف نوعا من ساير الأمارات ، ولم يوهن بمعارضة شيء منها ، وكان معمولا به عند الأصحاب كلّا أو جلّا ، ومفيدا للظنّ الاطميناني بالصدور ، إذ لا ريب أنّه كلّما انتفى أحد هذه القيود الخمسة في خبر احتمل كون غيره حجّة دونه ، فلا يكون متيقّن الحجيّة على كلّ تقدير.
