للمكلّف في تلك الحال حكم يدلّ عليه عقله من لزوم التحرّز عن الضرر المخوف ، أو البراءة عن التكليف المجهول.
وبالجملة ، فلا محيص في مرحلة الظاهر عن الانتهاء إلى اليقين ، فلا يتصوّر الجهل بالبراءة والاشتغال بالمعنى المذكور.
قلت : إن اريد أنّ الظنّ والشّك في البراءة الظاهريّة والاشتغال الظاهري لا بدّ من رجوعهما وانتهائهما إلى اليقين الرافع لهما فمسلّم ، وإن اريد عدم إمكان حصولهما في أوّل الأمر فممنوع ؛ إذ كثيرا ما يحصل للمكلّف ـ مجتهدا كان أو عاميا ـ شكّ في ذلك أو ظنّ به ، باعتبار الشكّ في اكتفاء العقل والشرع بذلك ، أو الظنّ فيه ؛ فيلزم المكلّف حينئذ النظر في جواز الاكتفاء بهذا الظنّ أو الشّك بحسب حكم العقل أو الشرع بالاجتهاد ، أو التقليد ، حتّى يرجع إلى العلم على نحو الظنّ بالواقع الّذي منه حجّية الطريق والشّكّ فيه.
فإن قلت : فما الفرق بين الظنّ بالبراءة الواقعية والظاهرية حينئذ؟
قلت : الظنّ بالبراءة الواقعيّة يمكن حصوله من الطرق الّتي يقطع بتحريمها أو يظنّ بذلك أو يشكّ فيه ، بخلاف الظنّ بالبراءة الظاهريّة ، فإنّه يمتنع حصوله من أحد الطّرق الثلاثة. فانظر كيف اشتبه الأمر على المعترض حتّى زعم أنّ المراد بالظن بالطريق مجرّد الظنّ بالحجيّة الواقعية الّتي هي من جملة الأحكام الواقعية ، مع أنّ الظنّ بذلك يمكن حصوله من الطرق الّتي يقطع بتحريم العمل عليها ، أو يظنّ بذلك ، فيكف يلزم من ذلك الظنّ بالبراءة مع القطع بعدم جواز اكتفاء المكلّف بمثله أو الظنّ ، بل ومع الشّك أيضا؟ إذ الظنّ بذلك لا يخرج عن الظنّ بالواقع الّذي صرّح بعدم استلزامه للبراءة ، إنّما الظنّ بالطريق الملازم للظنّ بالبراءة هو الظنّ الذي لا يبتني على الأسباب الموهومة والمشكوكة ، لوضوح أنّ
