وإنّما المصالح والمفاسد الباعثة على تشريع الأحكام ثابتة في نفس الأفعال مع قطع النظر عن علم المكلّف وجهله ، وليست بعلل تامّة يمتنع تخلّفها (١) ، والبيان المذكور إنّما يستقيم لو كانت كذلك كما ، في الأوامر الإرشادية المحضة ، فإنّها الّتي يمكن القول بأنّ الاكتفاء فيها بما دون العلم مع إمكانه أو بما دون الظنّ مع تعذّره نقض للغرض المقصود منها إلّا على أحد الوجهين المذكورين.
وقد تقدّم في المقدّمة الرابعة أنّ الأحكام الشرعيّة ليست من هذا الباب ، وإنّما المصالح والمفاسد الملحوظة فيها مقتضيات وحكم باعثة على ترجيح جملة من الأفعال بالأمر واخرى بالنهي في الواقع ونفس الأمر ، وهي الأحكام الواقعية الثابتة مع علم المكلّف وجهله.
ثمّ إنّ هناك مصالح ومفاسد اخرى في الطرق الّتي يتوصّل المكلّف بها إلى معرفتها من حيث هي طرق إليها ، تبعث على الأمر ببعضها والنهي عن آخر ، وليست منحصرة في غلبة الإيصال وضدّها في علم الشارع ، ومنها ملاحظة تسهيل الأمر على المكلّف في جعل الطرق الّتي لا تفيد العلم مع إمكانه اكتفاء في إدراك مصلحة الواقع على البعض المصادف له ، ويكون الغرض في غيره امتحان المكلّف واختباره في إقدامه على الطاعة وعدمها. وكذا الوجه في المنع عن بعض الظنون مع الانسداد ، ولا ينحصر في غلبة المخالفة للواقع ، لإمكان ملاحظة حكمة الابتلاء والاختبار في الطرق أيضا ، أو لأدائه إلى اختلال النظام المقصود ، أو غير ذلك.
__________________
(١) فرائد الاصول ١ / ٥٢٨ ـ ٥٢٦.
