قلت : الصواب تقييد الذمّ والعقاب في الحدّين بالعالم العامد.
فإن قلت : كما يشترط الحكم في الواقع بالبلوغ والعقل والاختيار كذا يشترط بالعلم ، لعدم قدرة الجاهل والناسي أيضا على الامتثال ، ولذا عدّوا الأربعة من الشرائط العامّة لجميع التكاليف ، فكما ينتفي الحكم في الواقع بانتفاء الحدّ الثلاثة الاولى كذا ينتفي بانتفاء الرابع.
قلت : لا مانع من التفرقة بين العجز الناشي من الجهل والنسيان والتعذّر الحاصل من ساير أسباب الاضطرار ، فالأوّل غير مانع من ثبوت الحكم الواقعي ، نظرا إلى كون المصلحة في جعل الحكم في حقّ العالم والجاهل على حدّ سواء ، ليكون هو الّذي يتعرّض الجاهل لتحصيله ، سواء أصابه أو أخطائه.
فإن قلت : إنّ جعل الحكم في حقّ الجاهل المعذور لغو يمتنع على الحكيم.
قلت : إن اريد امتناع جعله في حقّه خاصّة فمسلّم ، وإن اريد امتناع التعميم في الجعل الأوّل فممنوع ، فإنّ عدم العلم بالفائدة لا يستلزم نفيها ، وفي قيام النصّ والإجماع بل الضّرورة على أنّ لكل واقعة حكما معيّنا يشترك فيه عامّة المكلّفين أدلّ دليل على ثبوتها ، ومن فوائده العمل على الواقع عند انكشاف الخلاف وتعرّض العبد لتحصيله الموجب لترتّب الأجر والثّواب عليه وإن أخطائه ، وفي حكمه اطّراد الأحكام كفاية في المقام ، على أنّ العلم بالحكم والجهل مسبوقان بالحكم ، فإنّ الحكم حين تعلّق الجعل به لا يتعلّق إلّا بالغافل عنه وغير العالم به ، وإنّما يحصل العلم بعد تحقّق الجعل متفرّعا عليه وحاصلا منه ، لأنّه أمر لا يعلم إلّا من قبله ، فلو كان مأخوذا في المحكوم عليه لزم تحقّق الحكم حين وقوعه من غير تحقّق المخاطب به مع أنّه من أركانه ، بخلاف ساير شرائط الحكم. فالعلم
