المكلّفين بجعل الطريق الّذي لا يوصل إليها وإلّا كان العمل بالطريق المقرّر كالعمل بما هو الواقع ، بل لم يجز جعل الحكم الواقعي على وجه يشمل الصورة المفروضة ، لانتفاء المصلحة الباعثة على تشريعه حينئذ ، فيكون تلك الصورة خارجة عن مورد الحكم المجعول في نفس الأمر ، ويكون حكمها في الواقع على حسب مقتضى الطريق المقرّر ، فلا يكون الحكم الواقعي شاملا للعالم والجاهل كما عليه المخطّئة ، ويلزم القول بالتصويب.
قلت : إن كانت الأحكام الشرعيّة تابعة لمجرّد المصالح الواقعيّة الكامنة في ذات الأفعال الاختياريّة بحيث تكون المصالح عللا تامّة لتشريعها ، وتكون تلك الأحكام متفرعة عليها بالكليّة ـ على ما هو الحال في أوامر الطبيب وساير الأوامر الإرشاديّة ـ كان الحال فيها على ما ذكرت ، لأنّ جعل الطّريق على غير الوجهين الأوّلين يتوقّف على مصلحة تعادل مصلحة الواقع ، فيختلف الحكمان في نفس الأمر ، فيكون المكلّف في الحقيقة مخيّرا بين تحصيل إحدى المصلحتين ، فكان اللازم الحكم بالتخيير في الواقع دون التعيين.
وليس الأمر كذلك ، وإنّما القدر اللازم في حكم العقل أن يكون في تشريعها حكمة باعثة على حسنها على حسب ما تقع عليه ، سواء كانت الأفعال مشتملة على صفة مطابقة لها من جميع الوجوه أو لم يكن.
فقد لا يكون في نفس الفعل مصلحة ويكون في التكليف به حكمة باعثة على حسنه ؛ وقد يكون فيه مصلحة غير بالغة حدّ الوجوب ويكون في إيجابه والإلزام بإتيانه حكمة قاضية بحسنه وإن لم يكن بالغا حدّ الحتم ، لعدم إخلال الحكيم بما هو الأحسن ؛ وقد يكون الفعل حسنا أو قبيحا ويمنع من التكليف بفعله أو تركه حكمة ، كما في الصبيّ العاقل المراهق.
