نصب الطريق على الوجه المذكور.
ومن هنا يعلم أنّه لا يلزم أن يكون الطريق على الوجه المذكور ظنيّا ، فقد ينسدّ باب الظنّ أيضا ، وقد يكون الطريق الغير الظنّي في علم الله سبحانه أقرب إلى الواقع وأكثر إيصالا إليه من الظنّي ، وقد يكون في الظنّ من المفسدة ما تأبى في الحكمة عن نصبه طريقا ، فتعيّن بعده الأقرب إلى الواقع فالأقرب.
ومنها : أن يكون الملحوظ فيه الكشف عن الواقع مع تسهيل الأمر على العباد في طريق الإطاعة والانقياد ، وإنّما يكون ذلك حيث لا يكون المصالح الواقعية على وجه يقضي بتحتّم إدراكها مع التعسّر والصعوبة ، أو مع قلّة السّهولة ، وهذه الخصوصية قد تلاحظ بالنظر إلى نوع المكلّفين ، فيتبع الحكم أضعفهم ، نظرا إلى الحكمة القاضية باشتراكهم في التكاليف ؛ وقد تلاحظ بالنظر إلى بعض الأصناف أو بعض الأشخاص أو بعض المقامات على حسب ما يقتضيه الحكمة في ذلك.
ولا يلزم من ذلك انتفاء الحكم في نفس الأمر عند مخالفة الطريق للواقع ، للفرق الظاهر بين سقوط الواقع عن المكلّف لتعذّر المكلّف به أو تعسّره ، وبين سقوط التكليف بتحصيل العلم بالحكم أو الطريق الأقرب في الوصول إليه والكشف عنه ، نظرا إلى تعذّر أحدهما أو تعسّره ؛ فإنّ الثاني إنّما يوجب سقوط التكليف بالطريق الأقرب لوجود المانع فيه ، والرجوع إلى الطريق الأبعد ، مع بقاء الواقع على حاله.
غاية الأمر أنّه مع أدائه إلى خلاف الواقع يكون المكلّف معذورا في مخالفته ، لا آتيا بما هو الواقع في حقّه ، إذ الغرض من نصب الطريق المذكور إنّما هو الوصول إلى ذلك الواقع ولو في بعض الوقائع لئلّا يفوت عنه ذلك مطلقا ، فإذا
