الافتراض الرابع :
أن يجعل الشارع أحد الدليلين حجّة فقط ، لكن هذه الحجية تخييرية لا تعيينية ، حيث يقول : أحد الدليلين حجّة ، بمعنى ان المكلف مخير بالالتزام باحدهما ، وما يلتزم به المكلف هو الحجة ، فاذا التزم بالدليل الدال على الحلية يكون هو الحجة ، واذا التزم بالدليل الدال على الحرمة يكون هو الحجّة ، والحجية هنا حجيّة تخييرية.
وهذا الافتراض ايضا معقول ، لكن الأخذ به يحتاج الى دليل ، ويظهر اثره في انه لا يسمح للمكلف بترك الدليلين المتعارضين ، والرجوع الى اصل عملي ؛ لأنه ما دام هناك دليل محرز لا يصح الرجوع الى الاصل العملي ، كما لا يسمح للمكلف بالرجوع الى دليل عام (كالاطلاق) قد يثبت به حكم ثالث غير ما دل عليه الدليلان المتعارضان ، والحكم الثالث كما لو جاء دليل يقول : (اكرم كل مسكين) ، ثم جاء دليلان متعارضان ، الاول يقول : (لا تكرم المسكين المتجاهر بالفسق) ، والثاني يقول : (اكرام المسكين المتجاهر بالفسق مباح).
فتكون لدينا ثلاثة أدلة ، المتعارضان ، إذ احدهما يدل على حرمة اكرام المسكين المتجاهر بالفسق ، والآخر يدل على اباحة اكرامه ، بينما الدليل الثالث دليل عام فوقاني ، يدل على وجوب اكرام كل مسكين.
فاذا بنينا على الحجية التخييرية بالنسبة لكل واحد من الخبرين المتعارضين ، لا يمكن ان نرجع الى الدليل العام الذي يثبت حكما ثالثا بوجوب اكرام كل مسكين ، فيشمل المسكين المتجاهر بالفسق ؛ لأنه مخصص بالواحد المخيّر من الخبرين المتعارضين.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4661_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
