مناقشة :
قد يقال : ان ادلة البراءة مطلقة ؛ لأن مفادها (كل تكليف مشكوك يمكن ان تجري البراءة في مورده) ، أي ان (رفع ما لا يعلمون) ليس مقيدا ، فلم يقل : (رفع ما لا يعلمون اذا فحصوا ولم يظفروا بدليل) وانما الدليل مطلق ، بمعنى سواء كان عدم العلم قبل الفحص أو بعد الفحص تجري البراءة ، فلما ذا قيّدنا دليل البراءة بقيد تجري (البراءة بعد الفحص وعدم الظفر بدليل)؟
جواب المناقشة :
صحيح ان ادلة البراءة مطلقة ، ولكن لا يمكن ان تجري البراءة إلّا بعد الفحص ، وذلك :
أولا : أن ادلة البراءة أو على الاقل بعضها تثبت المسئولية والادانة في صورة وجود تكليف في معرض الوصول ، بنحو لو فحص عنه المكلف لوصل اليه ، ففي مثل هذه الحالة لو لم يفحص المكلف لا يكون هذا الدليل دالا على البراءة.
وبكلمة أخرى : لو رجعنا الى الآية الكريمة (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) نلاحظ ان الآية الكريمة تشتمل على أداة غاية (حتى) ، وحكم مغيّا ، وغاية ، وملخص مفاد منطوق الآية هو ان الرسول انما ذكر كمثال على البيان ، فالمكلف لا يستحق العقاب إلّا إذا بيّن له التكليف وعلم به ، وأما مفاد مفهوم هذه الآية فهو : (متى ما توفر البيان ووصل البيان الى المكلف فلا تثبت البراءة ، ويستحق المكلف العقاب).
وتوفر البيان وثبوته انما يكون بحيث يمكن للمكلف لو بحث عنه ان يحصل
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4661_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
