وتفسيره واكتشافه لما هو واقع وكائن ، مثلا العقل يحكم باستحالة اجتماع النقيضين واستحالة ارتفاعهما ، والعقل يحكم بأن لكل معلول علة ، وغير ذلك ، هذه الادراكات هي اكتشافات يكتشف فيها العقل الواقع ، فادراكه لما هو واقع وكائن يعبر عنه بالحكم النظري.
وفي مقابل ذلك يعبر عن ادراك العقل لما ينبغي ان يكون وما لا ينبغي ان يكون بالحكم العملي ، مثلا عند ما يدرك العقل حسن الصدق ، فهو مما ينبغي ، وعند ما يدرك قبح الكذب ، فهو مما لا ينبغي ، فادراك العقل لما ينبغي وما لا ينبغي هو ادراك عملي ، إذ ان هذا الادراك يقتضي بذاته جريا عمليا معينا ، خلافا لادراكه استحالة اجتماع وارتفاع النقيضين ، فلا يتطلب بذاته جريا عمليا معينا.
الحسن والقبح أمران واقعيان يدركهما العقل :
ان الحكم العملي يرجع الى الحكم النظري ، فادراك العقل لحسن الصدق هو ادراك لصفة واقعية ، وادراكه لقبح الكذب هو ادراك لصفة واقعية ايضا في الكذب ، ومعنى قبح الكذب ما لا ينبغي ان يقع ، بينما معنى حسن الصدق ما ينبغي ان يقع.
إذا فادراكه العملي يعود الى ادراكه النظري ، اي انه ادراك لما هو أمر واقعي ، باعتبار الحسن والقبح من الصفات والامور الواقعية الثابتة في الواقع ونفس الامر ، والتي يدركها العقل ، لا كما قال البعض : من ان هذا الحسن (حسن الصدق) وهذا القبح (قبح الكذب) هي من الامور التي اتفق وتعارف عليها العقلاء.
ولكن الفرق بين ادراك العقل لاستحالة اجتماع النقيضين (الحكم النظري) وادراكه لقبح الكذب ، وبالتالي كونه مما لا ينبغي (الحكم العملي) هو ان الحكم الثاني يقتضي سلوكا عمليا معينا ، فلا بد من أن يترك الانسان الكذب ، بينما ادراكه لاستحالة اجتماع النقيضين ، لا يقتضي سلوكا وجريا عمليا معينا.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4661_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
