النقطة الثالثة ـ البراءة عن الاستحباب :
هل تجري البراءة في التكاليف الالزامية فقط (الوجوب والحرمة) ، أو تجري ايضا في التكاليف غير الالزامية (الكراهة والاستحباب)؟
لا اشكال في جريان البراءة في التكاليف الالزامية عند الشك بها ، غير ان المعروف أنها لا تجري في التكاليف الترخيصية (الكراهة والاستحباب) ، فعند ما نشك في كراهة صلاة الضحى مثلا ، المشهور قال : لا تجري البراءة ، لان ادلة البراءة قاصرة عن شمول التكاليف الترخيصية (الكراهة والاستحباب) ، باعتبار ان ادلة البراءة إما ان يكون مفادها السعة ونفي الضيق والتأمين من جهة العقاب ، (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) ، (وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً ...) ، وفي مثل هذه الصورة من الواضح ان هذه الأدلة التي تنفي العقاب تثبت السعة والتأمين ، ومن المعلوم ان التكاليف الترخيصية لا عقاب عليها ، وبالتالي لا معنى للسعة والتأمين.
وبكلمة بديلة : أن ادلة البراءة تنفي العقاب وتجعل السعة والتأمين ، ولا عقاب في مورد الكراهة والاستحباب ، باعتبارهما من التكاليف الترخيصية.
وإما أن يكون مفاد أدلة البراءة رفع التكليف «رفع ما لا يعلمون» ، فان هذه الأدلة ، وان لم تكن ناظرة لنفي العقاب ، ولكنها لا تجري في مورد الاستحباب والكراهة ؛ لأنه ان اردنا من «رفع ما لا يعلمون» اثبات الترخيص ، فمما لا اشكال فيه ان الاستحباب والكراهة فيهما رخصة ، وان اردنا ان الاحتياط ليس راجحا ، فالاحتياط راجح على كل حال ، وهو راجح في مورد الاستحباب المشكوك والكراهة المشكوكة.
إذا أدلة البراءة لا تشمل الشك في الاستحباب والشك في الكراهة.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4661_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
