مناقشة الاستدلال :
ان هناك فرقا بين صدور التكليف وبين وصوله ؛ لأنه ليس كل تكليف يصدر من المولى ويشرعه المولى يصل الى المكلفين ، اذ من المعلوم انه كلما ابتعد المكلف عن عصر النص ، تكون الروايات عرضة للضياع والتحريف ، فبعض الاحاديث لم تصل الينا ، وبعضها وصلت محرفة ، وبعضها وصلت صحيحة. وبالتالي فالصدور لا يلازم الوصول ، وعلى هذا فالآية الكريمة ليست في مقام التأمين من جهة التكليف غير الواصل ، وانما هي في مقام التأمين من جهة التكليف غير الصادر ويكون معناها ان كل تكليف لم يصدر من الشارع فانت مؤمن عنه ولا عقاب عليه.
ومن المعلوم ان ما ينفعنا في اثبات البراءة هو التأمين من جهة التكليف غير الواصل ، وليس من جهة التكليف غير الصادر.
٣ ـ قوله تعالى : (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الانعام / ١٤٥.
وتقريب الاستدلال : ان هذه الآية في مقام المحاججة ، إذ إنها تشير الى محاججة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم مع اليهود ، يقول لهم : لا أجد فيما أوحي اليّ غير هذه المحرمات فقط ، فالآية تعلم النبي طريقة المحاججة مع اليهود ، ودليله على ذلك هو عدم وجدانه ، حيث يقول : لما لم أجد (لم اعلم) غير هذه المحرمات إذا لا توجد محرمات أخرى غيرها ، فعدم وجدانه (عدم علمه) يدل على عدم وجود محرمات أخرى.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4661_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
