العلوم العقلية ، كما في الفلسفة وعلم الكلام والاصول ، تحتاج الى تأمل وتدقيق في الغالب ، وليست واضحة بوضوح المثال الذي ذكرناه.
إذا اتضح ذلك يمكن القول في مناقشة الدليل الذي يقول : بأن التكليف انما يكون محركا بوجوده العلمي لا الواقعي ، بان الذي يحرك العبد هو الخروج من عهدة حق الطاعة للمولى ، أي ان المحرك ليس هو التكليف بعنوانه الخاص ، وانما المحرك هو الخروج من مسئولية حق الطاعة للمولى.
وعلى هذا لا بد من أن نرسم حدود هذه المسئولية أولا ، فاذا ادعينا عدم شمول حق الطاعة للتكاليف المشكوكة ابتداء يكون ذلك مصادرة ، بجعل المقدمة نفس النتيجة ؛ لأنه حتى الآن لم نقرر حدود دائرة حق الطاعة ، وحدود مسئولية المكلف ازاء المولى ، أي هل تدخل التكاليف المعلومة فقط أو المعلومة والمحتملة والمشكوكة فى عهدة ومسئولية المكلف؟ وبذلك لا يصح الدليل الاول على قاعدة قبح العقاب بلا بيان.
مناقشة الدليل الثاني على قبح العقاب بلا بيان :
اما مناقشة البرهان الثاني ، وهو الاستشهاد بالاعراف العقلائية ، فان هذا البرهان يتورط فى قياس خاطئ ، وهو قياس حق الطاعة الثابت للمولى بحق الطاعة الثابت للموالي العرفيين ، فان حق الطاعة الذي يلاحظه العرف هو حق الطاعة الذي يحكم به العقلاء ، كما في حق طاعة الولد لوالده ، أو حق طاعة العبد لسيده ، وهكذا حق الطاعة الثابت من قبل الحكومة ، التي تقرر مثلا ان الجندي يجب ان يطيع الضابط.
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4661_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
