نستصحب حياة زيد ، حتى نثبت نبات لحيته ، وبالتالي بعد اثبات الموضوع (نبات اللحية) نثبت الحكم الشرعي (وجوب الوفاء بالنذر) فان هذا خلاف ظاهر دليل الاستصحاب ؛ لأن مفاد دليل الاستصحاب هو تنزيل مشكوك البقاء منزلة الباقي ، والتنزيل دائما انما يكون بلحاظ توسعة دائرة الآثار الشرعية ، كما يفهم ذلك العرف ، أي توسعة دائرة الآثار الشرعية المجعولة من قبل نفس الشارع ، أما نبات اللحية فهو ليس أثرا شرعيا للحياة ، وانما هو أثر تكويني حقيقي للحياة ، بمعنى ان نبات اللحية لا يتحقق بجعل الشارع من حيث هو شارع ، وانما يتحقق بفعل وخلق الخالق تعالى ، ولهذا لا يصح الاستصحاب.
وبعبارة أخرى : لما كان مفاد دليل الاستصحاب (لا ينقض اليقين بالشك) هو تنزيل الشيء المشكوك منزلة الشيء المتيقن ، فان التنزيل انما يكون من جهة آثاره الشرعية. فمثلا حينما يقول الشارع : نزّلت الفقاع منزلة الخمر ، فالتنزيل هنا بلحاظ الآثار الشرعية ، الشارع جعل الخمر حراما ، وعند ما ينزل الفقاع منزلة الخمر ، ايضا يجعل الفقاع محرما ، كما جعل الخمر نجسا مثلا ، فينبغي أن يكون التنزيل بلحاظ هذا الاثر الشرعي (النجاسة).
أما بلحاظ الآثار التكوينية (كلون الخمر وطعمه ورائحته) فلا يعني تنزيل الشارع للفقاع منزلة الخمر انه جعل لون ورائحة وطعم الفقاع كلون وطعم ورائحة الخمر ، الخمر له أثر تكويني في الاسكار ، لأن نسبة الكحول فيه نسبة عالية ، وبالتالي فان اسكار الخمر بدرجة أشد ، كما هو معروف علميا ، بينما نسبة الكحول في الفقاع ضئيلة ، كما هو معروف علميا ، فدرجة اسكاره قليلة ، ولذلك لا يعني تنزيل الشارع للفقاع منزلة الخمر أن تكون له نفس درجة اسكار الخمر ؛
![محاضرات في أصول الفقه [ ج ٢ ] محاضرات في أصول الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4661_mohazerat-fi-usul-alfiqh-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
