أي : ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك كأنه قال : كنت من الظالمين ، وأنا الآن من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة (١).
روى أنس عن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «ما من (٢) مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له» (٣).
قوله : (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ) أي : من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته.
قوله : (وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) : الكاف نعت لمصدر أو حال من ضمير المصدر أي : كما أنجينا يونس من كرب الحوت إذ دعانا ، أو كإنجائنا يونس كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. وقرأ العامة (٤) «ننجي» بضم النون الأولى وسكون الثانية من أنجى ينجي (٧). وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «نجّي» بتشديد الجيم وسكون الياء (٥) وفيها أوجه :
أحسنها : أن يكون الأصل «ننجّي» بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم فاستثقل توالي مثلين ، فحذفت الثانية كما حذفت في قوله (ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ)(٦) في قراءة من قرأه كما تقدم (٧) ، وكما حذفت التاء الثانية في قوله : «تذكرون» (٨) و (تَظاهَرُونَ)(٩) وبابه. ولكن أبو البقاء استضعف هذا التوجيه بوجهين فقال :
أحدهما : أنّ النون الثانية أصل ، وهي فاء الكلمة ، فحذفها يبعد جدا.
والثاني : أنّ حركتها غير حركة النون الأولى ، ولا يستثقل الجمع بينهما بخلاف (تَظاهَرُونَ)(٩) ألا ترى أنك لو قلت : تتحامى المظالم لم يسغ (١٠) حذف الثانية (١١).
أما كون الثانية أصلا فلا أثر له في (١٢) منع الحذف ، ألا ترى أن النحويين اختلفوا
__________________
(١) المرجع السابق.
(٢) في ب : من أمن. وهو تحريف.
(٣) أخرجه ابن حجر العسقلاني في الكافي الشاف (١١١).
(٤) غير أبي بكر عن عاصم وابن عامر. السبعة ٤٣٠.
(٧) وهو زيد بن علي حيث قرأ ما نزل ماضيا مخففا مبنيّا للفاعل «الملائكة» بالرفع. البحر المحيط ٦ / ٤٤٦.
(٥) السبعة (٤٣٠) ، الكشف ٢ / ١١٣ ، النشر ٢ / ٣٢٤ ، الاتحاف ٣١١.
(٦) من قوله تعالى : «ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ» [الحجر : ٨].
(٧) وهو زيد بن علي حيث قرأ ما نزل ماضيا مخففا مبنيّا للفاعل «الملائكة» بالرفع. البحر المحيط ٦ / ٤٤٦.
(٨) قوله تَذَكَّرُونَ ذكر في القرآن في سبعة عشر موضعا أوله :«وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» [الأنعام : ١٥٢] وانظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ٢٧٢.
(٩) من قوله تعالى : «تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ» [البقرة : ٨٥] ، والأصل تتظاهرون حكى هذا الوجه أبو جعفر النحاس عن علي بن سليمان. إعراب القرآن ٣ / ٨٧. انظر اللباب ١ / ٢٠١.
(٩) من قوله تعالى :«تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ» [البقرة : ٨٥] ، والأصل تتظاهرون حكى هذا الوجه أبو جعفر النحاس عن علي بن سليمان. إعراب القرآن ٣ / ٨٧. انظر اللباب ١ / ٢٠١.
(١٠) في النسختين : لم تمنع. وما أثبته من التبيان.
(١١) التبيان ٢ / ٩٢٥.
(١٢) في ب : و. وهو تحريف.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
