في الأمر بتلطف دعوته (١) إلى الله ـ تعالى ـ مع علمه باستحالة حصول (٢) ذلك منه؟ ثم هب أن المعتزلة ينازعون (٣) في هذا الامتناع من غير أن يذكروا شبهة قادحة في (٤) هذا السؤال ، ولكنهم سلموا أنه كان عالما بأنه لا يحصل ذلك الإيمان ، وسلموا أن فرعون لا يستفيد ببعثة موسى ـ عليهالسلام (٥) ـ إلا استحقاق العذاب ، والرحيم الكريم كيف يليق به أن يدفع سكينا إلى من علم قطعا أنه يمزق به بطن نفسه (٦) ، ثم يقول : إني ما أردت بدفع السكين إليه (٧) إلا الإحسان إليه؟ يا أخي : العقول قاصرة عن معرفة هذه الأسرار ، ولا سبيل فيها إلا التسليم ، وترك الاعتراض والسكوت بالقلب واللسان ، ويروى عن كعب أنه قال : والذي يحلف به كعب إنه لمكتوب (٨) في التوراة «فقولا له قولا ليّنا وسأقسي قلبه فلا يؤمن» (٩).
قوله تعالى : (قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى)(٤٦)
قوله : (قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى) قد تقدم أن هارون لم يكن حاضرا هناك ، فكيف قال : (قالا رَبَّنا) وتقدم جوابه (١٠).
فإن قيل : إن موسى ـ عليهالسلام (١١) ـ قال : (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)(١٢) وأجابه (الله تعالى) (١٣) بقوله : (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى)(١٤) وهذا يدل أنه قد شرح صدره ، ويسر (١٥) ، وعيّن له ذلك الأمر ، فكيف قال بعده : (إِنَّنا (١٦) نَخافُ)، فإن حصول الخوف يمنع من حصول شرح الصدر ، فالجواب : أن (١٧) شرح الصدر عبارة عن قوته على ضبط تلك الأوامر والنواهي وحفظ تلك الشرائع على وجه لا يتطرق إليها السّهو والتحريف (١٨) ، وذلك شيء آخر غير زوال (١٩) الخوف(٢٠). فإن قيل : أما علم موسى وهارون ـ عليهماالسلام (٢١) ـ وقد حمّلهما الله تعالى الرسالة أنه تعالى يؤمنهما من القتل.
__________________
(١) في ب : دعواه.
(٢) في ب : حصوله. وهو تحريف.
(٣) في ب : تنازعوا. وهو تحريف.
(٤) في ب : شبه ما وجه. وهو تحريف.
(٥) في ب : عليه الصلاة والسلام.
(٦) في ب : حتف أنفه. وهو تحريف.
(٧) إليه : سقط من ب.
(٨) في ب : المكتوب. وهو تحريف.
(٩) الفخر الرازي ٢٢ / ٥٩.
(١٠) عند قوله تعالى : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى.
(١١) في ب : عليه الصلاة والسلام.
(١٢) [طه : ٢٥].
(١٣) ما بين القوسين سقط من ب.
(١٤) [طه : ٣٦].
(١٥) ويسّر : سقط من ب.
(١٦) في ب : أنا. وهو تحريف.
(١٧) أن : سقط من ب.
(١٨) في ب : التحريف والسهو.
(١٩) زوال : سقط من ب.
(٢٠) الفخر الرازي ٢٢ / ٦٠.
(٢١) في ب : عليهما الصلاة والسلام.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
