الثالث : أنه أفعل من الإيتاء ، كذا توهم بعضهم وهو غلط. قال ابن عطية : ولو كان آتينا : أعطينا لما تعدّت بحرف جر ، ويوهن هذه القراءة أنّ إبدال (١) الواو المفتوحة همزة ليس بمعروف ، وإنما يعرف ذلك في المضمومة والمكسورة (٢) يعني : أنه كان من حق هذا القارىء أن يقرأ «وأتينا» مثل وأعطينا ، لأنها من المواتاة على الصحيح ، فأبدل هذا القارىء الواو المفتوحة همزة وهو قليل ومنه أحد وأناة (٣).
قال أبو البقاء : ويقرأ بالمد بمعنى جازينا بها ، فهو يقرب من معنى أعطينا ، لأنّ الجزاء إعطاء ، وليس منقولا من أتينا ، لأن ذلك لم ينقل عنهم (٤).
وقرأ حميد «أثبنا» من الثواب (٥) ، والضمير في «بها» (٦) عائد على المثقال وأنّث ضميره لإضافته لمؤنث (٧) ، فهو كقوله :
٣٧٢٣ ـ كما شرقت صدر القناة من الدّم (٨)
في اكتسابه التأنيث بالإضافة.
فصل
زعم الجبائي أنّ من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزءا من الثواب فهذا الأقل ينحبط بالأكثر ، فيبقى الأكثر كما كان (٩). وهذه الآية تبطل قوله ، لأن الله تعالى تمدح بأنّ اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة (١٠). فإن قيل : الحبة أعظم من الخردلة فكيف قال : (حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)؟ فالوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار. والغرض المبالغة في أنّ شيئا من الأعمال صغيرا كان أو كبيرا غير ضائع عند الله (١١). ثم قال : (وَكَفى بِنا حاسِبِينَ).
قال السّديّ : محصين (١٢). والحسب : معناه العد. قال ابن عباس : عالمين
__________________
(١) في الأصل : بدل وهو تحريف.
(٢) تفسير ابن عطية ١٠ / ١٥٩.
(٣) أصل أحد وأناة : وحد ووناة ، فإبدال الواو هنا همزة سماعيّ.
(٤) التبيان ٢ / ٩١٩.
(٥) المختصر (٩٢) ، الكشاف ٣ / ١٣ ، البحر المحيط ٦ / ٣١٦.
(٦) في ب : باها. وهو تحريف.
(٧) انظر الكشاف ٣ / ١٣ ، البحر المحيط ٦ / ٣١٦.
(٨) عجز بيت من الطويل قاله الأعشى وصدره :
وتشرق بالقول الّذي قد أذعته
وسبق تخريجه.
(٩) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٧٧.
(١٠) المرجع السابق.
(١١) المرجع السابق.
(١٢) انظر البغوي ٥ / ٤٩١.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
