حافظين ، لأنّ من حسب (١) شيئا علمه وحفظه (٢).
والغرض منه التحذير فإنّ المحاسب إذا كان عالما بحيث لا يمكن أن يفوته شيء ، وكان في القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون شديد الخوف منه (٣).
قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)(٥٠)
قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ) الآية. لما أمر رسوله (٤) أن يقول (إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ)(٥) أتبعه بأنه عادة الله في الأنبياء قبله. (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ) يعني : الكتاب المفرق بين الحق والباطل ، وهو التوراة ، وكان «ضياء» لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى في معرفة (٦) الشرائع ، وكان «ذكرى» أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم.
وقال ابن زيد : الفرقان النصر على الأعداء كقوله تعالى : (وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ)(٧) يعني : يوم بدر حين فرق بين الحق والباطل (٨). وهو مروي عن ابن عباس ، ولأنه أدخل الواو في قوله «وضياء» أي : آتينا موسى النصر والضياء ، وهو التوراة ، لأنّ العطف يقتضي المغايرة. وقيل : المراد بالفرقان : البرهان الذي فرق به بين الحق والباطل. وقال الضحاك : الفرقان هو فلق البحر.
وقال محمد بن كعب : الفرقان الخروج عن الشبهات (٩). ومن قال المراد بالفرقان : التوراة قال : الواو في قوله : «وضياء» تكون من عطف الصفات ، والمراد به شيء واحد ، أي : آتيناه الجامع بين هذه الأشياء. وقيل : الواو زائدة (١٠). قال أبو البقاء ف «ضياء» حال على هذا (١١). وإنما خصص الذكر بالمتقين كما في قوله (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ)(١٢).
قوله : (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ) في محله ثلاثة أوجه : (الجر على النعت أو البدل أو البيان ، والنصب والرفع على القطع) (١٣). وفي معنى «الغيب» وجوه :
__________________
(١) في الأصل : لأن من حفظ حسب.
(٢) انظر البغوي ٥ / ٤٩١.
(٣) انظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٧٧ ـ ١٧٨.
(٤) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ / ١٧٩.
(٥) [الأنبياء : ٤٥].
(٦) في الأصل : موعظة وهو تحريف.
(٧) [الأنفال : ٤١].
(٨) انظر البغوي ٥ / ٤٩١.
(٩) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي ٢٢ / ١٧٩.
(١٠) على مذهب الكوفيين والأخفش ، أما البصريون فلا يرون زيادتها ولا تأتي عندهم إلا للعطف. انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣ / ٣٩٤ والمغني ٢ / ٣٦٢.
(١١) التبيان ٢ / ٩١٩.
(١٢) [البقرة : ٢].
(١٣) انظر الكشاف ٣ / ١٣ ، التبيان ٢ / ٩١٩.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
