للعالمين. ويجوز أن يتعلق ب «أرسلناك» عند من يرى تعلق ما بعد إلا بما قبلها جائز ، أو بمحذوف عند من لا يرى ذلك (١). هذا إذا لم يفرغ الفعل لما بعدها أما إذا فرغ فيجوز نحو : ما مررت إلا بزيد ، كذا قاله أبو حيّان هنا (٢). وفيه نظر من حيث إن هذا أيضا مفرغ ، لأنّ المفرغ عبارة عما افتقر ما بعد إلا لما قبلها على جهة المعمولية له.
فصل
قال ابن عباس : قوله : (رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) عام في حق من آمن ومن لم يؤمن (٣). اعلم أنه (٤) ـ عليهالسلام (٥) ـ كان رحمة في الدين والدنيا ، أما في الدين فلأنه ـ عليهالسلام ـ بعث والناس في جاهلية وضلال ، وأهل الكتابين (٦) كانوا في حيرة في أمر دينهم لطول مدّتهم وانقطاع تواترهم ووقوع الاختلاف في كتبهم ، فبعث الله (٧) محمدا حين لم يكن لطالب الحق سبيل إلى الفوز والثواب ، فدعاهم إلى الحق وبين لهم سبيل الصواب وشرع لهم الأحكام ، وميز الحلال والحرام ، فمن كانت همته طلب الحق فلا يركن إلى التقليد ولا إلى العناد والاستكبار ، قال الله تعالى : (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ) إلى قوله : (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى)(٨). وأما في الدنيا فلأنهم تخلصوا بسببه من الذل والقتل. فإن
__________________
(١) وذلك أنّ الاستثناء في حكم جملة مستأنفة ، لأنك إذا قلت : جاء القوم إلا زيدا ، فكأنك قلت : جاء القوم وما منهم زيد ، فمقتضى هذا أن لا يعمل ما بعد (إلا) فيما قبلها ، ولا ما قبلها فيما بعدها ، فلا تقدم معمول تاليها عليها ، فلا يقال : ما زيد إلا أنا ضارب ، وقال الرماني : لا يقال : ما قومك زيدا إلا ضاربون ، لأن تقدم الاسم الواقع بعد (إلا) عليها غير جائز فكذلك معموله لما تقرر من أن المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل. ولا يؤخر معمول ما قبلها عنها فلا يقال : ما ضرب إلا زيد عمرا ، وما ضرب إلا زيدا عمرو ، وما مر إلا زيد بعمر ، إلا على إضمار عامل يفسره ما قبله. ويستثنى من هذا المستثنى منه وصفته فيجوز تأخيرهما نحو ما قام إلا زيدا أحد ، وما مررت بأحد إلا زيدا خير من عمرو.
وأجاز الكسائي تأخير المعمول مرفوعا كان أو منصوبا أو مجرورا ، واستدل بقوله : فما زادني إلا غراما كلامها. وقوله : وما كف إلا ماجد ضرب بأس وقوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ) [النحل : ٤٣ ، ٤٤] ووافقه ابن الأنباري في المرفوع. ووافقه الأخفش في الظرف المجرور والحال نحو ما جلس إلا زيد عندك ، وما مر إلا عمرو بك ، وما جاء إلا زيد راكبا.
قال أبو حيان وهو المختار. لأنه يتسامح في المذكورات ما لا يتسامح في غيرها. الهمع ١ / ٢٣٠ ـ ٢٣١.
(٢) حيث قال أبو حيان : (ولا يجوز على المشهور أن يتعلق الجار بعد إلا بالفعل قبلها إلا إذا كان العامل مفرغا له نحو ما مررت إلا بزيد) البحر المحيط ٦ / ٣٤٤.
(٣) انظر البغوي ٥ / ٥٤٤.
(٤) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ / ٢٣٠ ـ ٢٣١.
(٥) في ب : عليه الصلاة والسلام.
(٦) في الأصل : الكتاب.
(٧) لفظ الجلالة : سقط من الأصل.
(٨) من قوله تعالى :«قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى» [فصلت : ٤٤]
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
