جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا)(٥٧)
قوله تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى) قرأ أهل الكوفة مخلصا ، بفتح اللام ، أي : مختارا اختاره الله تعالى ، واصطفاه.
وقيل : أخلصه الله من الدّنس.
والباقون بالكسر ، ومعناه : أخلص التّوحيد لله والعبادة ، ومتى ورد القرآن بقراءتين ، فكلّ منهما ثابت مقطوع به ، فجعل الله تعالى من صفة موسى ـ صلوات الله عليه ـ كلا الأمرين.
ثم قال عزوجل : (وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا) وهذان وصفان مختلفان ، لكنّ المعتزلة زعموا كونهما متلازمين ؛ فكلّ رسول نبيّ ، وكلّ نبيّ رسول ، ومن الناس من أنكر ذلك ، ويأتي الكلام عليه ـ إن شاء الله تعالى ـ في سورة الحج عند قوله تعالى (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ) [الحج : ٥٢] ثم قال : (وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ) يعني : يمين موسى ، والظاهر أنّ الأيمن صفة للجانب ؛ بدليل أنه تبعه في قوله تعالى : (وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ) [طه : ٨٠] وقيل : إنه صفة للطّور ، إذ اشتقاقه من اليمن والبركة ، والطّور : جبل بين مصر ومدين ، ويقال : إنّ اسمه الزّبير ، وذلك حين أقبل من مدين ، ورأى النّار ، فنودي (يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) [القصص : ٣٠].
قوله تعالى : (وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا) ، أي : مناجيا ، والنجيّ : المناجي ؛ كما يقال : جليس ونديم ، و«نجيّا» : حال من مفعول «قرّبناه» وأصله «نجيوا» لأنه من نجا ينجو.
قال ابن عبّاس (١) ـ رضي الله عنه ـ معناه : قرّبه وكلّمه.
وقيل : أنجيناه من أعدائه ، ومعنى التقريب : إسماعه كلامه.
وقيل : رفعه على الحجب ؛ حتّى سمع صرير القلم ؛ حيث تكتب التوراة في الألواح ، وهو قول أبي العالية.
قال القاضي (٢) : المراد بالقرب : أنّه رفع قدره ، وشرّفه بالمناجاة ؛ لأنّ استعمال القرب في الله ، قد صار في التعارف لا يراد به إلا المنزلة ؛ كما يقال في العبادة : تقرّب ، وفي الملائكة ـ عليهمالسلام ـ : إنّهم مقرّبون.
قوله تعالى : (وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا) : في «من» هذه وجهان :
أحدهما : أنها تعليلية ، أي : من أجل رحمتنا ، و«أخاه» على هذا مفعول به ،
__________________
(١) ينظر : معالم التنزيل ٣ / ١٩٨.
(٢) ينظر : الفخر الرازي ٢١ / ١٩٨.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
