وتجبرا ، لقوله تعالى (١) : (لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)(٢) فيمن نصب التاء في «علمت» (٣) كان ذلك خطابا لموسى ـ عليهالسلام (٤) ـ مع فرعون ، وذلك يدل على أن فرعون كان عالما (٥) بذلك ، وقوله : (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا)(٦). ولأنه لو لم يكن عاقلا لم يجز تكليفه ، والعاقل يعلم بالضرورة أنه وجد بعد العدم ، ويعلم أن من كان كذلك افتقر إلى مدبّر ، وهذان العلمان الضروريان يستلزمان (٧) العلم بوجود المدبّر ، ولأن قول موسى ـ عليهالسلام (٨) ـ (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) يقتضي ذلك (٩) ، لأن كلمة «الّذي» تقضي وصف المعرفة بجملة (١٠) معلومة عند المخاطب. وأيضا فإن ملك فرعون (١١) لم يتجاوز القبط ، ولم يبلغ الشام ، ولما هرب موسى إلى مدين قال له شعيب : (لا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ)(١٢) ، فمع هذا كيف يعتقد أنّه إله العالم؟
وقال آخرون : إنّه كان جاهلا برّبه.
واتفقوا على أنّ العاقل لا يجوز أن يعتقد في نفسه أنه خالق هذه السموات والأرض والشمس والقمر ، وأنه خالق نفسه ، لأنه يعلم بالضرورة عجزه عنها ، ويعلم بالضرورة أنها كانت موجودة قبله ، فحصل له العلم الضروري بأنه ليس موجدا لها ولا خالقا لها.
واختلفوا في كيفية جهله بالله تعالى ، فيحتمل أنه كان دهريا نافيا للمدبّر ، ويحتمل (١٣) أنه كان فلسفيا قائلا بالعلة الموجبة (١٤) ، ويحتمل أنه كان من عبدة الكواكب ، ويحتمل أنه كان من الحلوليّة ، وأما ادعاؤه الربوبية لنفسه فبمعنى أنه يجب عليهم طاعته والانقياد له.
فصل (١٥)
قال هاهنا : (فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى) ، وقال في سورة الشعراء : (وَما رَبُ
__________________
(١) تعالى : سقط من الأصل.
(٢) [الإسراء : ١٠٢].
(٣) ونصب التاء في «علمت» قراءة غير الكسائي ، أما هو فقد قرأ بضم التاء. انظر السبعة ٣٨٥ ـ ٣٨٦.
(٤) في ب : عليه الصلاة والسلام.
(٥) في ب : كان عارفا عالما.
(٦) [النمل : ١٤].
(٧) في ب : يلتزمان.
(٨) في ب : عليه الصلاة والسلام.
(٩) في ب : مقتضى ذلك.
(١٠) في الأصل جملة.
(١١) في ب : وأيضا فإن ذلك أعني ملك فرعون.
(١٢) [القصص : ٣١] ، وليس هذا قول شعيب وإنما قول شعيب له هو : «لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» [القصص : ٢٥] وذلك كما في الفخر الرازي.
(١٣) يحتمل : سقط من ب.
(١٤) في ب : بالعلة الموجبة. ويحتمل أنه كان جاهلا بربّه واتفق جماعة منهم على ذلك.
(١٥) هذا الفصل نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ ـ ٦٤ بتصرف يسير.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
