الثاني : أنها عطف على «الصّلاة» والتقدير : وأوصاني بالصلاة ، وبأنّ الله ، وإليه ذهب الفراء (١) ، ولم يذكر مكّي (٢) غيره ؛ ويؤيّده ما في مصحف أبيّ «وبأنّ الله ربّي» بإظهار الباء الجارّة ، وقد استبعد هذا القول ؛ لكثرة الفواصل بين المتعاطفين ، وأمّا ظهور الباء في مصحف أبيّ ؛ فلا يرجّح هذا ؛ لأنها باء السببية ، والمعنى : بسبب أنّ الله ربّي وربّكم فاعبدوه ، فهي كاللّام.
الثالث : أن تكون «أنّ» وما بعدها نسقا على «أمرا» المنصوب ب «قضى» والتقدير : وإذا قضى أمرا ، وقضى أنّ الله ربّي وربّكم ، ذكر ذلك أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء ، واستبعد الناس صحّة هذا النقل عن أبي عمرو ؛ لأنّه من الجلالة في العلم والمعرفة بمنزل يمنعه من هذ القول ؛ وذلك لأنّه إذا عطف على «أمرا» لزم أن يكون داخلا في حيّز الشرط ب «إذا» وكونه تبارك وتعالى ربنا لا يتقيّد بشرط ألبتّة ، بل هو ربّنا على الإطلاق ، ونسبوا هذا الوهم لأبي عبيدة ؛ لأنه كان ضعيفا في النّحو ، وعدّوا له غلطات ، ولعلّ ذلك منها.
الرابع : أن يكون في محلّ رفع خبر ابتداء مضمر ، تقديره : والأمر أنّ الله ربّي وربّكم ، ذكر ذلك عن الكسائيّ ، ولا حاجة إلى هذا الإضمار.
الخامس : أن يكون في محلّ نصب نسقا على «الكتاب» في قوله (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ) على أن يكون المخاطب بذلك معاصري عيسى ـ عليه صلوات الله ـ والقائل لهم ذلك عيسى ، وعن وهب : عهد إليهم عيسى : أنّ الله ربي وربّكم ، قال هذا القائل : ومن كسر الهمزة يكون قد عطف «إنّ الله» على قوله (إِنِّي عَبْدُ اللهِ) فهو داخل في حيّز القول ، وتكون الجمل من قوله (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) إلى آخرها جمل اعتراض.
وهذا من البعد بمكان كأنّه قال : إنّي عبد الله ، والله ربّي وربّكم ، فاعبدوه ، وهذا قول أبي مسلم (٣) الأصفهانيّ ، وهو بعيد.
فصل في دلالة الآية
قوله : (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) يدلّ على أنّ مدبّر العالم ، ومصلح أمورهم هو الله سبحانه وتعالى [على] خلاف قول المنجّمين ، أنّ المدبّر للنّاس ، ومصلح أمورهم في السّعادة والشّقاوة هي الكواكب ، ويدلّ أيضا على أنّ الإله واحد ؛ لأنّ لفظ «الله» اسم علم له سبحانه ، لا إله إلا هو ، فلمّا قال : (وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) ، أي : لا ربّ للمخلوقات سوى الله ؛ وذلك يدلّ على التّوحيد.
وقوله «فاعبدوه» قد ثبت في أصول الفقه أنّ ترتيب الحكم على الوصف المناسب
__________________
(١) ينظر : معاني القرآن للفراء ٢ / ١٦٨.
(٢) ينظر : المشكل ٢ / ٥٧.
(٣) ينظر : الفخر الرازي ٢١ / ١٨٧.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
