كالتوكيد لما تقدم ، لأنها دالة على حصول الترتيب العجيب في العالم ، ووجود إلهين يقتضي وقوع الفساد. وفيها ردّ على عبدة الأوثان من حيث إن الإله القادر على مثل هذه المخلوقات العظيمة ، كيف يجوز في العقل أن يعدل عن عبادته إلى عبادة حجر لا يضر ولا ينفع؟ فهذا وجه النظم (١). قرأ ابن كثير «ألم ير» من غير واو ، والباقون بالواو (٢). ونظير حذف الواو (٣) وإثباتها هنا ما تقدم في البقرة وآل عمران في قوله : (قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً)(٤)(سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ)(٥) ، وقد تقدم حكمه ، وإدخال الواو يدل على العطف على آخر تقدمه. والرؤية هنا يجوز أن تكون قلبية ، وأن تكون بصرية. ف «أنّ» وخبرها سادة مسد مفعولين عند الجمهور على الأول (٦) ، ومسد واحد والثاني محذوف (٧) عند الأخفش (٨). وسادة مسد واحد فقط على الثاني (٩). فإن قيل : إن كان المراد بالرؤية البصرية فمشكل (١٠) ، لأن القوم ما رأوهم كذلك ألبتة ، ولقوله تعالى : (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)(١١). وإن كان المراد بالرؤية العلم (١٢) فمشكل ، لأن الأجسام قابلة للفتق والرتق (١٣) في أنفسها فالحكم عليها بالرتق أولا وبالفتق ثانيا لا
__________________
(١) في تعلق هذه الآية بما قبلها. وانظر الفخر الرازي ٢٢ / ١٦١ بتصرف يسير.
(٢) السبعة ٤٢٨ ، الكشف ٢ / ١١٠ ، النشر ٢ / ٣٢٣ ، الإتحاف ٣١٠.
(٣) [البقرة : ١١٦].
(٤) من قوله تعالى : «و«َقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ» [البقرة : ١١٦] وذكر هنا : قرأ الجمهور «وقالوا» بالواو عطفا لهذه الجملة الخبرية على ما قبلها ، وهو أحسن في الربط ، وقرأ ابن عامر بغير واو ، وكذلك هي في مصاحف الشام ، وتحتمل وجهين : أحدهما : الاستئناف ، والثاني : حذف حرف العطف ، وهو مراد ، واستغني عنه بربط الضمير قبل هذه الجملة.
انظر اللباب ١ / ٢٥٤.
(٥) [سورة آل عمران : ١٣٣] وذكر هناك : قرأ نافع وابن عامر «سارعوا» دون واو ، وكذلك هي في مصاحف المدينة ، والشام ، والباقون بواو العطف ، وكذلك هي في مصاحف مكة والعراق ومصحف عثمان ، فمن أسقطها استأنف الأمر بذلك أو أراد العطف لكنه حذف العاطف لقرب كل واحد منهما من الآخر فإن قوله : «سارعوا» وقوله : «اطيعوا» كالشيء الواحد. ومن أثبت الواو عطف جملة أمرية على مثله ، وبعد اتباع الأثر في التلاوة اتبع كل رسم مصحفه انظر اللباب ١ / ١١٠.
(٦) في ب : وعلى الا. وهو تحريف.
(٧) محذوف : سقط من ب.
(٨) وذلك لأن (أنّ) المشددة ومعمولاها تسد مسد المفعولين في باب ظن وأخواتها عند الجمهور ، وذهب الأخفش إلى أنها ومعموليها سادة مسد واحد والثاني محذوف. انظر الهمع ١ / ١٥١ ـ ١٥٢.
(٩) أي على أن الرؤية بصرية.
(١٠) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي ٢٢ / ١٦٢.
(١١) من قوله تعالى : «ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً» [الكهف : ٥١].
(١٢) في الأصل : بالعلم.
(١٣) الرتق : ضد الفتق ، وهو إلحام الفتق وإصلاحه ، رتقه يرتقه ويرتقه رتقا فارتتق أي التأم. اللسان (رتق). الفتق : خلاف الرتق فتقه يفتقه ويفتقه فتقا شقه. اللسان (فتق).
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
