وقوله : (وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ) من العيش الرافه والحال الناعمة. والإتراف انتظار النعمة ، وهي الترفه. وقوله : (لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) تهكم بهم وتوبيخ (١).
قال ابن عباس : تسألون عن قتل نبيكم (٢). وقال غيره : هذا التهكم يحتمل وجوها :
الأول : ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلكم تسألون عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم ، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.
الثاني : ارجعوا واجلسوا كما كنتم في مجالسكم حتى تسألكم عبيدكم ومن ينفذ فيه أمركم ونهيكم ، ويقولوا لكم : بم تأمرون ، وماذا ترسمون كعادة المخدومين.
الثالث : تسألكم الناس ما في أيديكم ويستشيرونكم في المهمات (٣).
قوله (٤) : (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ) اسم «زالت» «تلك» و«دعواهم» الخبر هذا هو الصواب (٥). وقد قال الحوفي والزمخشري وأبو البقاء : يجوز العكس (٦) وهو مردود بأنه إذا أخفي الإعراب مع استوائهما في المسوغ لكون كل منهما اسما أو خبرا ، وجب جعل المتقدم اسما والمتأخر خبرا ، وهو من باب ضرب موسى عيسى (٧) وتقدم إيضاح هذا في أول سورة الأعراف (٨) فليلتفت إليه. و«تلك» إشارة إلى الجملة المقولة (٩). قال
__________________
(١) أي أن الأمر خرج من معناه الحقيقي إلى المعنى المجازي وهو التهكم والتوبيخ.
(٢) انظر البغوي ٥ / ٤٧٧.
(٣) انظر الكشاف ٣ / ٥ ، الفخر الرازي ٢٢ / ١٤٦.
(٤) قوله : سقط من الأصل.
(٥) لخفاء الإعراب ، لأن الإعراب مقدر فيهما ، ولا قرينة تميز الاسم من الخبر.
(٦) وهو كون «تلك» خبر «زالت» و«دعواهم» اسمها. وانظر الكشاف ٣ / ٥. التبيان ٢ / ٩١٣. وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء قاله الزجاج قبلهم حيث قال : (يجوز أن تكون «تلك» في موضع رفع اسم «زالت» و«دعواهم» في موضع نصب خبر «زالت» وجائز أن يكون «دعواهم» الاسم في موضع رفع ، و«تلك» في موضع نصب على الخبر للاختلاف بين النحويين في ذلك) معاني القرآن وإعرابه ٣ / ٣٨٦.
(٧) أي أن اسم كان وخبرها مشبه بالفاعل والمفعول ، فكما لا يجوز في باب تقديم المفعول على الفاعل عند خوف اللبس. لا يجوز ذلك في باب كان ، فإذا قلت : كان موسى أخي لم يجز في موسى إلا أن يكون اسم كان وأخي الخبر ، كقولك ضرب موسى عيسى ، فموسى الفاعل وعيسى المفعول ، هذا ما ذهب إليه المتأخرون ولم ينازع في ذلك منهم إلا ابن الحاج فأجاز أن يكون المتقدم هو المفعول والمتأخر هو الفاعل وإن ألبس. فعلى هذا يتعين أن تكون «تلك» اسم «زالت» و«دعواهم» الخبر.
البحر المحيط ٦ / ٣٠١ ، شرح الأشموني ٢ / ٥٦.
(٨) عند قوله تعالى : «فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا» [الأعراف : ٥]. وذكر هنا ما ملخصه أنهم جوزوا في «دعواهم» وجهين : أحدهما : أن يكون اسما ل (كان) ، و«إِلَّا أَنْ قالُوا» خبرها ، والثاني : أن يكون «دعواهم» خبرا مقدما ، و«إِلَّا أَنْ قالُوا» اسما مؤخر ، قال ذلك الفراء والزجاج ومكي والزمخشري ، ولكن ذلك يشكل من قاعدة ذكرها النحاة ، وهو أن الاسم والخبر في هذا الباب متى خفي في إعرابهما وجب تقديم الاسم وتأخير الخبر نحو كان موسى صاحبي ، قالوا : لأنهما كالمفعول والفاعل ، فمتى خفي الإعراب التزم كل في مرتبته. انظر اللباب ٤ / ٧.
(٩) [الأعراف : ١٤] وهي قوله تعالى : «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ».
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
