قوله : «إذا هم» : «إذا» هذه فجائية ، وتقدم الخلاف فيها (١).
و«هم» مبتدأ ، و«يركضون» خبره (٢). وتقدم أول الكتاب (٣) أن أمثال هذه الآية دالة على أن «لمّا» (٤) ليست ظرفية (٥) بل حرف وجوب لوجوب (٦) ، لأن الظرف لا بد له من عامل ، ولا عامل هنا ، لأن ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبلها. والجواب أنه عمل فيها معنى المفاجأة المدلول عليه ب «إذا»(٧).
والضمير في «منها» يعود على «قرية» ، ويجوز أن يعود على «بأسنا» لأنه في معنى النقمة والبأساء ، فأنث الضمير حملا على المعنى (٨). و«من» على الأول (٩) لابتداء الغاية ، وللتعليل على الثاني(١٠).
قوله : «لا تركضوا» أي : قيل لهم : لا تركضوا ، أي لا تهربوا. قال الزمخشري : القول محذوف ، فإن قلت : من القائل؟ قلت : يحتمل أن يكون بعض الملائكة ، أو من (١١) ثم من المؤمنين ، أو يكون خلقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يقل ، أو يقوله رب العزة ويسمعه ملائكته لينفعهم في دينهم (١٢). أو يلهمهم ذلك فيحدثوا به نفوسهم (١٣).
__________________
(١) عند قوله تعالى«فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ» [الأنعام : ٤٤] ، وذكر هناك : إذا هي الفجائية ، وفيها ثلاثة مذاهب : مذهب سيبويه أنها ظرف مكان ، ومذهب جماعة منهم الرياشي أنها ظرف زمان ، ومذهب الكوفيين أنها حرف ، فعلى تقدير كونها ظرفا زمانا أو مكانا فالناصب لها خبر المبتدأ ، أي : ألبسوا في مكان إقامتهم أو زمانها. انظر اللباب ٣ / ٤١٧.
(٢) انظر التبيان ٢ / ٩١٣.
(٣) عند قوله تعالى :«وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ» [البقرة : ٨٩] انظر اللباب ١ / ١٢٠.
(٤) في ب : على أنها.
(٥) قال بظرفيتها ابن السراج وتبعه الفارسي وابن جني وجماعة ، فهي عندهم ظرف بمعنى (حين) ، وقال ابن مالك «إذ» وهو حسن ، لأنها مختصة بالماضي وبالإضافة إلى الجملة ، والعامل فيها على الظرفية جوابها. انظر المغني ١ / ٣٨٠ ، الهمع ١ / ٢١٥.
(٦) وهو رأي الجمهور ، لأنها عندما تدخل على الماضي تقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود أولاهما نحو لما جاءني أكرمته. ويكون جوابها فعلا ماضيا اتفاقا نحو قوله تعالى :«فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ» [الإسراء : ٦٧] وجملة اسمية مقرونة ب «إذا» الفجائية نحو قوله تعالى : «فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ» [العنكبوت : ٦٥]. أو بالفاء عند ابن مالك نحو قوله تعالى : «فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ» [لقمان : ٣٢] ، وقيل : إن الجواب محذوف ، أي انقسموا قسمين فمنهم مقتصد.
وفعلا مضارعا عند ابن عصفور نحو قوله تعالى : (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا) [هود : ٧٤] ، وهو مؤول بجادلنا وقيل إن الجواب (جاءته البشرى) على زيادة الواو ، أو محذوف ، أي : أقبل يجادلنا. انظر المغني ١ / ٢٨٠ ـ ٢٨١.
(٧) هذا الجواب يدل على أن ابن عادل أخذ برأي ابن السراج ومن تبعه في أن (لمّا) ظرفية.
(٨) انظر البحر المحيط ٦ / ٣٠٠.
(٩) وهو عود الضمير على «قرية».
(١٠) وهو عود الضمير على «بأسنا».
(١١) في النسختين : ومن. والتصويب من الكشاف.
(١٢) دينهم : سقط من الأصل.
(١٣) الكشاف ٣ / ٥.
![اللّباب في علوم الكتاب [ ج ١٣ ] اللّباب في علوم الكتاب](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3112_allubab-fi-ulum-alkitab-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
